أربعة أسئلة للتونسيين…اختيارات صعبة قبل الوقوع

الاقتصاد كان أفضل بكثير في عهد زين العابدين بن علي.. كمية كبيرة من الاخطاء ارتكبت بعد الثورة

.

تجتاز تونس مرحلة دقيقة، حيث تبدو البلاد امام نقطة تحوّل (turning point) في الاشهر القليلة المقبلة، بعدما وصل الوضع المالي والاقتصادي الى مرحلة دقيقة، وبات يحتاج الى خطة انقاذ يساهم في تمويلها صندوق النقد الدولي.

كيف وصلت تونس الخضراء الى هذا الوضع؟ هل تستطيع الخروج من النفق في وقت مقبول؟ وما الثمن الذي ينبغي دفعه لهذا الخروج؟ ماذا سيحصل اذا لم يتم تنفيذ خطة طوارئ للانقاذ، وتمّ هدر الوقت في المراوحة في النهج نفسه المتبّع اليوم؟

الاجابة على هذه الاسئلة الاربعة يمكن ان ترسم خريطة طريق للمعالجة. اذ ان تشخيص الأزمة بشكل صحيح يحتاج الى معرفة الاسباب التي أوصلت هذا البلد العربي الذي يقع في اقصى الشمال الافريقي، وذي الاطلالة الخاصة على القارة الاوروربية، الى هذه المرحلة المتقدمة من الخطورة الاقتصادية.

واللافت ان الاقتصاد التونسي كان في وضع أفضل بكثير في عهد الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، بما يعني منطقياً، ان هناك كمية كبيرة من الاخطاء ارتكبت بعد الثورة، وهي اخطاء تراكمية أوصلت الوضع الى ما هو عليه. ولعلّ الناتج المحلي (GDP) الذي وصل الى 46 مليار دولار في العام 2011، وعاد وتراجع في العام 2020 الى حوالي 39 مليارا، وفق أرقام البنك الدولي، يختصر معاناة الاقتصاد التونسي، الذي كان يُفترض، فيما لو سلك المنحى الطبيعي، وحقق نموا شبيها بمعدل نمو بعض بلدان المنطقة العربية، ان يصل اليوم الى حوالي 54 مليار دولار، مع احتساب تداعيات جائحة كوفيد.

ولعلّ الخطأ الابرز في السنوات العشر الماضية، انه لم يتم التعاطي مع الاقتصاد بالحرفية المطلوبة، ولم يتم خفض منسوب الفساد. في الموازاة، ومن باب كسب الشعبية على حساب الاقتصاد الوطني، زاد حجم التوظيف في القطاع العام، بما أرهق المالية العامة، وراكم العجز وصولاً الى الخط الأحمر القائم اليوم.

طبعاً، لا يزال الوضع يسمح بالاعتقاد ان الخروج من المأزق قبل الوصول الى الانهيار الكبير ممكناً. ومن خلال أرقام العجز في المالية العامة لهذه السنة (قد يتجاوز الـ6.5 مليار دولار)، ومن خلال حجم الدين العام قياساً بحجم الاقتصاد، يمكن القول ان الوصول الى برنامج تمويل واصلاح مع صندوق النقد الدولي، قد يساعد على تجاوز الأزمة والعودة الى وضع شبه طبيعي في غضون اربع سنوات. لكن مثل هذه الخطة، تتطلب تقشفاً اضافياً من قبل التونسيين المُرهقين، لأن الاجراءات الاصلاحية ستكون موجعة لكي تكون ناجعة وتؤدّي الى تحاشي الانهيار الشامل.

لا شك في ان هناك ثمناً باهظاً بات يتوجّب دفعه اليوم. والمفارقة الدائمة في مثل هذه الحالات، ان الشعب سيكون المظلوم الاساسي لجهة تحميله القسم الاكبر من فاتورة الانقاذ، مع ان المواطن يتحمّل المسؤولية الاقل في الوصول الى الأزمة، لكن المسؤولين الفعليين، اي من كان يتخذ القرارات (السلطة السياسية)، يخرجون من المأزق بأقل خسائر ممكنة. ومن البديهي، ان الشعب يعترض دائما على مبدأ دفع الثمن، وقد شهدنا مثل هذه الاعتراضات في كل الدول التي واجهت أزمات اقتصادية حادة وصلت الى حد اعلان الافلاس. لكن المفارقة الثانية في هذا الموضوع، ان الشعب الذي يقاوم دفع الثمن، غالباً ما يكون في صدد مقاومة الحل، من حيث لا يدري، وهذه هي المصيبة الحقيقية. وتصبح المقاومة الشعبية أشرس وأعند، عندما يكون منسوب الفساد في الدولة مرتفعاً، بحيث لا يثق الناس بأنهم في حال قدّموا التضحيات، سيحصل الانقاذ فعلاً. اذ لا شيء يضمن عدم استمرار الانهيار، بسبب استمرار نهج الهدر والفساد وسوء الادارة.

هذه الحقائق التي تبدو متناقضة في بعض الاحيان، تبرز من بينها حقيقة اساسية يصعب النقاش فيها، وهي تتعلق بالنتائج التي ستحصل في حال لم يتم اقرار خطة للانقاذ. اذ مهما قيل في الظلم الذي قد يلحق بالناس نتيجة تنفيذ شروط التمويل والاصلاحات، ستبقى الأضرار غير قابلة للمقارنة مع الاضرار الهائلة التي ستلحق بالاقتصاد لاحقا، وسيدفع ثمنها المواطنون ايضا. لكن الثمن هذه المرة سيكون أكبر بكثير، وسيشعر الناس بالندم لمقاومة الحلول الموجعة، حين لا ينفع الندم.

كل هذا العرض، لا يهدف الى اثباط عزيمة التونسيين الذين يتمتعون في غالبيتهم بالوعي الكافي لمعرفة مصلحتهم ومصلحة بلدهم. لكن الغارق في الأزمة يصعب عليه ان يرى بوضوح مثل الذي يقف في الخارج، ويحسبها بموضوعية. تونس تحتاج الى تمويل طارئ والى اصلاحات بنيوية وآنية. هذه الاصلاحات تتشابه مع الكثير من الدول التي تعاني المشاكل نفسها، ويمكن اختصارها بالتالي:

اولا- وقف التهرّب الضريبي والجمركي، وتوسيع مروحة المكلفين.
ثانيا- وقف التهريب في الاتجاهين، من خلال تغيير فوري في نمط الدعم الحكومي، وتحويله الى دعم مُحَوْكَمْ يصل الى المستفيد مباشرة.
ثالثا- معالجة التضخّم في القطاع العام، وخفض حجم الاجور في الموازنة الحكومية.
رابعا- خفض منسوب الفساد بكل أوجهه الرسمية والخاصة.
خامسا- تقديم حوافز عملية لتشجيع الاستثمارات، والاعتماد اكثر على القطاع الخاص لاستيعاب الوظائف الجديدة المطلوبة.
سادسا- اقرار قانون للمصالحة مع المستثمرين، لأن التسويات في مثل هذه الحالات تبقى أنجع من الغرق في مستنقع انتظار المحاسبة التي قد تطول ويدفع ثمنها الاقتصاد والناس، ولو انها اساس العدل.

أخيراً، تُظهر التجارب في الدول التي تواجه انهيارات اقتصادية، ان المرتكز الاساسي في نجاح خطط الانقاذ، يستند الى الاستقرار السياسي. وهذا الامر، اذا تحقق جزئيا في تونس، ستكون رحلة الخروج من النفق أسهل واسرع وأقل ضرراً.