3 أسباب تحول دون الخروج من المأزق الحكومي

إذا كان الباحثون عن مخرج جادين في بحثهم عليهم ان يبدّلوا الوجهة.. الممر القضائي مغلق

.

مع مرور الوقت، تترسّخ القناعة اكثر فأكثر بأن الحكومة دخلت في مرحلة عقم وشلل طويل الامد، وان رئيسها بات على علم بأن محاولات الخروج من هذا النفق تشبه التخبّط في المياه العميقة. وهذا ما يفسّر ربما، محاولة ملء الوقت الضائع بتحركات خارجية توحي ظاهرياً بأن الحكومة قائمة، فيما تشير الوقائع إلى أنها دخلت في مرحلة الموت السريري، ولو ان اعلان الوفاة ستبقى مؤجّلة، بحكم قرار يفرض استمراريتها، ولو صورياً.

وقد جاءت زيارة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الى الفاتيكان لتؤكّد المؤكّد. لا مبادرات خارجية جديدة لتغيير الوضع الحكومي، وما يجري في الداخل على هذا المستوى، ينظر اليه المجتمع الدولي على اساس انه من مسؤولية اللبنانيين دون سواهم. هذا الموقف برز بوضوح في المواقف المعلنة في دوائر الفاتيكان، وبصرف النظر عن الكلام العاطفي الذي قاله البابا فرنسيس، بالنسبة الى اهتمامه بأن يحتفظ لبنان بدوره كملتقى للحضارات والاديان والتعايش.

وليس واضحاً اذا ما كان رئيس الحكومة مقتنعا فعلا، من خلال الاتصالات التي اجراها قبيل سفره الى الفاتيكان، وبعد الخلوة الثلاثية المتحرّكة التي جمعته مع رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب في السيارة الرئاسية، ومن ثم استكملت في القصر الجمهوري، ان في الامكان ايجاد مخرج مقبول للمأزق الحكومي، لكي تستأنف السلطة التنفيذية مهامها بشكل طبيعي.

في كل الاحوال، وسواء كانت تحركات ميقاتي تهدف فعلاً الى إحداث خرق في جدار الأزمة، ام انها تحركات شكلية لذرّ الرماد في العيون، وايهام الرأي العام بأن الامور ليست مكربجة بشكل دائم، فان النتيجة التي تظهّرت بعد صدور القرارات القضائية عن أعلى مرجع قضائي، والتي قضت جميعها بردّ كل الدعاوى المقدمة في وجه القاضي طارق البيطار، رسّخت القناعة بأن محاولات اجتياز المأزق “على حساب” القضاء لن يُكتب لها النجاح. وبالتالي، واذا كان الباحثون عن مخرج جادين في بحثهم، عليهم ان يبدّلوا الوجهة، بعدما تأكّد ان الممر القضائي مغلق في وجههم.

من هنا، يبرز السؤال في المنحى الذي ستختاره السلطة التنفيذية ورئيسها في الايام المقبلة؟ هل سيبقى وفق النمط نفسه، ام ستكون هناك محاولات جديدة لولوج ممرات اخرى، منها الممر السياسي الذي يحتّم “التكشير” عن انياب السلطة، واتخاذ قرارات بالتدخّل العلني والمباشر لقمع القضاء، بذريعة فتح باب مجلس الوزراء بأي ثمن؟

حتى الآن، لا يبدو أن رئيس الجمهورية ميشال عون مستعدا لمثل هذه المغامرة، وكذلك يبدو ميقاتي متموضعاً في الخندق نفسه، لاعتبارات متشابهة، من أهمها:
اولا- الرقابة الخارجية على هذا الملف لصيقة وحازمة، ولا توجد دولة مؤثرة مستعدة لتغطية اي خطوة سياسية لضرب ما تبقى من هيبة القضاء.
ثانيا- التجييش الشعبي الداخلي، بحيث تحوّل الملف الى قضية رأي عام بكل ما للكلمة من معنى، وأي غلط في هذا الملف، سيدفع صاحبه الثمن باهظا. ودفع الاثمان الشعبية قبيل الانتخابات النيابية ليس خيارا صائبا لأي طرف سياسي راغب في خوض هذه الانتخابات.
ثالثا- موضوع العقوبات الخارجية لا يزال قائما وجاهزا، وهذا الامر يعرفه كل المسؤولين اللبنانيين الذين أُتيحت لهم فرصة التواصل مع الخارج، أو التواصل مع وسطاء فاوضوا الخارج، واطّلعوا على موقف المجتمع الدولي عموماً من هذه القضية. وهنا لا بد من التذكير، بأن رئيس الجمهورية راغب في ايجاد حل لمسألة العقوبات الدولية التي فُرضت على رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، وبالتالي، من البديهي انه غير متحمّس لأي خطوة قد تصعّب الوصول الى هذا الحل يوما ما. وكذلك ميقاتي، الذي يدرك خطورة العقوبات من موقعه كرجل اعمال مرموق يعرف حجم الضرر الذي قد تتسبّب به هذه العقوبات.

كيف سيكون المشهد في المرحلة المقبلة، وهل سنشهد نوعا من الجمود في المحاولات، بانتظار تطوّر ما، قد يبدّل في المعطيات القائمة؟
من البديهي ان محاولات البحث عن حل ستتواصل، ولو أن الجميع فشلوا حتى الان في ابتكار مخارج لائقة ترضي غالبية الاطراف المعنية. لكن البحث عن حلول شيء، والوصول الى معالجات فعلية شيء آخر. ويبدو من خلال الوقائع، ووفق الحسابات الانتخابية والسياسية، ان كل طرف بات متمترساً في موقعه، وينظر الى هذا الموقع على اساس انه يحميه ويريحه اكثر من اية دعسة ناقصة وغير محسوبة.

الثنائي الشيعي من جهته، يعتبر انه غير مزروك في موقعه المعارض لاستئناف الحكومة نشاطها الطبيعي، وان هذا الموقف يدعم وضعه الشعبي في الشارع الشيعي وليس العكس. ورئيس الحكومة من جهته، يدرك ان عودة الحكومة الى العمل الطبيعي، من خلال قرارات غير شعبية قد تضرب مصداقيته في الشارع، وهو غير متحمس لهذا الامر. بالاضافة الى ان أي مخرج جزئي، لن يكون مريحاً له. فهو اليوم يواجه مأزق توتر العلاقات مع دول الخليج العربي بمنطق الراغب في تصليح العلاقات، ولكن العاجز بسبب الشلل الحكومي. وعودة الحكومة الى العمل، سيضعه في موقف حرِج، اذ سيصبح مطلوباً منه اتخاذ مواقف وقرارات في هذا الملف، وهو غير قادر عليها.

وبالتالي، لا مانع من استمرار الوضع على ما هو عليه، ما دامت اضرار استمراره اقل من أضرار تغييره مع تشوهات عميقة لن تسمح بعودة السلطة التنفيذية الى ممارسة مهامها بشكل فعلي، وكما ينبغي. وأي عودة مشوّهة، قد تكون اخطر من اللاعودة.