مشروع «نورد ستريم 2» يثير مخاوف أوروبا

اتفاق توصيل الغاز الروسي إلى ألمانيا.. يأتي في ظل تدهور الوضع الأمني والدبلوماسي

توني باربر
. توني باربر

توني باربر- (فايننشال تايمز): ترجمة محرر السّهم

لا توجد علاقة بين الدول الغربية وروسيا مثقلة بالتاريخ أكثر من العلاقة مع ألمانيا، ويصادف شهر يونيو المقبل، الذكرى الثمانين للغزو النازي للاتحاد السوفيتي، الذي شهد معارك عملاقة وأعمال وحشية في زمن الحرب، حيث لا تزال تؤثر على صورة ألمانيا وأيضا بشكل كبير على المواقف الرسمية تجاه روسيا.

ومع ذلك، لا يمكن اعتبار أي من هذا ذريعة لبعض الملاحظات التي أدلى بها فرانك فالتر شتاينماير، رئيس ألمانيا خلال مقابلة صحفية، الأسبوع الماضي حول العلاقات الألمانية الروسية، حيث دافع عن مشروع خط أنابيب «نورد ستريم 2»، الذي يهدف إلى توصيل الغاز الروسي إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق، كواحد من الجسور القليلة بين روسيا وأوروبا، على الرغم من أنه يأتي في ظل مناخ دبلوماسي وأمني متدهور.

وتابع شتاينماير قائلاً: «بالنسبة لنا نحن الألمان، هناك بُعد آخر.. هناك أكثر من 20 مليون شخص سوفيتي قتلوا في الحرب العالمية الثانية.. ولكن هذا لا يبرر ارتكاب أي خطأ في السياسة الروسية اليوم، لكن يجب ألا نغفل الصورة الأكبر».

تكمن مشكلة دفاع شتاينماير عن مشروع «نورد ستريم 2» باعتباره سدادًا للديون الأخلاقية المستحقة لروسيا، في أن الرئيس الألماني لم يشر إلى الدول الأخرى التي سحّقت بين عامي 1939 و1945 على يد النازيين.

ديون أخلاقية

أصبحت روسيا الوريث القانوني للاتحاد السوفيتي في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بعد نهاية الشيوعية في عام 1991، لكن في الوقت نفسه، فإن الروس ليسوا الوريث الوحيد من حيث الديون الأخلاقية، كما أوضح سفير أوكرانيا في برلين.

في الواقع، إن قائمة الدول الأوروبية التي يمكن أن تدعي أنها مدينة بدين أخلاقي ألماني طويلة بشكل مؤلم وتمتد إلى ما هو أبعد من حدود الاتحاد السوفيتي البائد، ولا شك في أن ألمانيا الغربية السابقة، والدولة التي أعيد توحيدها بعد عام 1990، قد عوّضتا الجرائم النازية بمثابرة رائعة وإحساس عال بالمسؤولية، لكن ملاحظات شتاينماير تؤكد كيف أن روسيا، بالنسبة للعديد من السياسيين ورجال الأعمال الألمان، تظل حالة خاصة.

مخاوف أوروبا

وتثير اتفاقية «نورد ستريم 2» مخاوف في أجزاء من وسط وشرق أوروبا، ويقترب المشروع من الاكتمال ويبدو أنه قد فات الوقت لإيقاف المشروع الذي لا يحمل أي تهديد بضم الأراضي أو العدوان العسكري، لكن بالنسبة للبلدان الواقعة بين ألمانيا وروسيا، يبدو الأمر وكأنه ترتيب تم إجراؤه رغما عنهم في ظل عدم اهتمام برلين بمخاوفهم.

قد تكون التداعيات على الاتحاد الأوروبي عميقة، حيث أن الطموح المعلن للكتلة المكونة من 27 دولة هو التصرف كقوة ناضجة استراتيجيًا ذات سياسة خارجية وأمنية متماسكة وموحدة.

ومع ذلك، بالنسبة لدول البلطيق وبولندا ودول أخرى، فإن الدرس المستفاد من «نورد ستريم 2» هو عدم ربط حريتهم ببعض المفاهيم الغامضة لأمن الاتحاد الأوروبي، خصوصا بعد أن سعت ألمانيا إلى عقد صفقات ثنائية مع روسيا.

وبالنسبة لأوروبا الوسطى والشرقية، فإن الحماية الأساسية لاستقلالهم ليس الاتحاد الأوروبي ولكن الولايات المتحدة.

ويحظى الانخراط الألماني مع روسيا بدعم واسع بين الأحزاب، ولكن على الرغم من ذلك، أبقت المستشارة أنجيلا ميركل عقوبات الاتحاد الأوروبي على روسيا لضمها شبه جزيرة القرم في عام 2014 والتدخل المسلح في جنوب شرق أوكرانيا.

موقف الأحزاب

يبدو أن نهج أرمين لاشيت، الزعيم الجديد لحزب ميركل الديمقراطي المسيحي أقل تشددا تجاه موسكو، فعندما كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مشغولاً بالاستيلاء على شبه جزيرة القرم، انتقد لاشيت ما أسماه «الشعبوية المناهضة لبوتين» في ألمانيا.

هايكو ماس، وزير خارجية ألمانيا من الحزب الاشتراكي الديمقراطي، يدافع عن تعاملات برلين مع موسكو على أساس أن الدول الغربية يجب أن تحرص على عدم دفع روسيا نحو تعاون اقتصادي وعسكري أوثق مع الصين.

لكن ما الذي يقدمه الكرملين لألمانيا في المقابل؟ كان البوندستاغ هدفا لهجوم إلكتروني في عام 2015 ألقت السلطات الألمانية باللوم فيه على روسيا، وبعد أربع سنوات، قُتل زعيم المتمردين الشيشاني المنفي في برلين بناء على أوامر من الحكومة الروسية.

باختصار، تبدو الحجة القائلة بأن العلاقة الوثيقة بشأن الاقتصاد والطاقة مع روسيا تعود بالفوائد على الأمن الأوروبي هشة، على الأقل في عهد بوتين.

السؤال الذي يجب على السياسيين الألمان طرحه على أنفسهم ليس هو حجم الدين الأخلاقي لبلادهم تجاه روسيا، ولكن ما إذا كان «نورد ستريم 2» والجسور الأخرى مع روسيا تحقق أي نتائج تستحق كل هذا الاهتمام.