دولة حنون.. ومواطن مهروق لا يتلقّح

. نعيم حلاوي

بقلم: نعيم حلاوي

تستغرب الدولة كيف أن المواطن قد لا يثق بها -إلى حد ٍما- في موضوع التلقيح ضد الكورونا، فيتصرف كأنه خائف من شكة إبرتها دون شك. «ليش خايف مني حبيبي؟ تعا لعندي أنا بحبك.. أنا إمك الحنون.. وَلَو، ما بتوثق فيي؟ كلها إبرة زغتورة بخلعك ياها ما بتحِسّ.. وحياتك ما بوَجعك.. في شي مرة كذبت عليك؟ أو أذيتك؟ أو خذلتك؟ في شي مرة ركّبتلك محشاية؟ في شي مرة هتكت (أو ما يوازيها) عرضك؟»

يأتي جواب المواطن: «أ.. أ.. إي مامي، كتير!» يقولها بصوت متقطع خائف متهدّج خالٍ من الدسم.

ما أن تسمع الدولة/الأم ردّ ابنها غير المتوقّع هذا، حتى يتحوّل استغرابها إلى صدمة لا بل صعقة كهربائية خفيفة تسري في عروقها من العاقورة الى الناقورة، وتدرك على الفور أن هنالك «مشكلة ما» يعاني منها فلذة كبدها ولا يقول. «يقبرني الصبي كتوم، أكيد في شي زاعجه حتى عم يحكي هيك». وتبدأ الغوص في تفكير عميق في محاولةٍ لتحليل مضمون جملته المحيّرة -فتتعطل بسبب التفكير الدوائر الرسمية، ويسكّر المجلس النيابي، وتُغلق المرافق العامة- وفي النهاية.. لا تجد جواباً.. لا تعرف شيئاً عن معاناة الصبي وهي التي تدرك في دهاليز أعماقها أنها «أمّنت» له كل شيء.. «فلا شك أنه يتغنّج».

وللمزيد من الاطمئنان وإراحة الضمير، تتصل الدولة على الفور بالدولة الرديفة التي في بطنها لتستشيرها. يأتي الرد حازماً وسريعاً: شو بدِّك فيه؟ مهروق ونقّيق عالفاضي.

تحاول الأم استدراج ابنها بطريقة أخرى لمعرفة سبب تذبذبه: أنظر يا حبيبي، هل لديك مأخذ ما على طريقة عمل لجنة لقاحات الكورونا، مثلاً؟

فيردّ الصبي كشخصٍ أكبر من عمره: على العكس يا أماه، فمنذ استقلالك عن تانت فرنسا حتى اليوم، لم أشعر «إلا هذه المرة» بأنك تفلحين في عمل شيء متقن بتفاصيله المملة كالأجانب، وبالمناسبة دعيني أتوجّه بتحية شكر عبر هذه الشاشة الى عمو الدكتور البزري وفريق عمله الذين جعلوني أشعر كأنني مواطن إبن أجانب، للمرة الأولى في حياتي، بالفعل.

– يا حياتي (بسخرية).. إذاً انت تلمّح أن المشكلة تكمن عندي، والتقصير مني؟ أستحلفك أن تقول أين ومتى قصّرتُ يوماً بحقك يا بُنَي. دعني أذكّرُكَ، مثلاً:

* هل سبق وخذلتُك يوماً في موضوع الكهرباء، فوعدتُك بالتيار 24/24 ولم أحقق لك ذلك؟

* هل تأخرتُ عليك في تحقيقات فضيحة الفيول المغشوش؟

* هل جلبتُ لك يوماً بواخر تولّد الطاقة ولكن تهدر الملايين؟

* هل أخفيتُ عنك كيف وأين ولصالح من تبخّرَت مليارات الكهرباء والتي هي أساساً من جيبك؟

* هل أخطأتُ في حساباتي عند تخمين استملاكات عقارات سلعاتا وفرَقَت معي بالملايين؟

* هل بنيتُ لك سدوداً مائية بلا طعمة تنثقب وتتشقق مع أول تجربة أو شتوة أو تعبئة؟

* هل تركتُك يوماً فريسةً لأصحاب المولدات والعدادات والأمبيرات؟

* هل تركتُك تُذَلّ يوماً أمام محطات الوقود منتظراً قطرة تنعش بها محرك سيارتك؟

* هل تراخيتُ يوماً في مكافحة تهريب مواد أولية مدعومة، إلى ما بعد الحدود؟

* هل تركتُك تنقطع من الأدوية وجعلتُك تتشرحط متوسّلاً ومتسوّلاً على أبواب الصيدليات؟

* هل تسببتُ لك بوقفة طوابير طويلة أمام الأفران مع هاجس غلاء رغيف أو انقطاع طحين؟

* ويوم فُجّر المرفأ، -هل تذكر ذلك الحدث؟- هل تركتُك ولم أسأل عنك؟

* هل تأخرتُ في إطلاعك على نتائج تحقيقات التفجير أكثر من خمسة أيام كما وعدتُك؟

* ألَم أستحدث لك يوماً وزارة لمكافحة الفساد لم تفتح ملفاً واحداً؟

* هل سبق وطبقتُ مراسيم تجنيس من وراء ظهرك وأمام بطنك لمئات الأشخاص؟

* هل أخفقتُ حين أقرّيتُ لك سلسلة الرتب والرواتب فتسببتُ بخلل أفقد المالية عذريتها والموازنة توازنها واتزانها؟

* هل وظفتُ آلاف الأشخاص عشوائياً لدواعٍ انتخابية وتسببتُ في هدرٍ اضافي؟

* هل زوّرتُ الانتخابات أو تلاعبتُ بها أو فصّلتُها على مقاس أشخاص؟

* هل تركتُك يوماً عاجزاً أمام مشهد تبخّر أموالك في المصارف مثلاً؟

* هل تركتُك تُذَل على أبواب المصارف محاولاً الحصول على حفنة من جنى عمرك؟

* هل تركتُك تنام على دولار 1500 لتقوم على دولار 8500 مثلاً؟

* هل شجعتُك على فتح حسابات ودائع بالدولار وعندما جئتَ تطالبُ بها قلت لك: ماذا يعني دولار، نحن نتعامل بالعملة الوطنية هنا يا إبني؟

* هل قطّش تلفونك يوماً أو خشخشَ أو خربشَ، وهل اشتكيتَ من كلفة خدمة الخليوي بأنها مرتفعة وفواتيرها الشهرية باهظة؟

* هل تركتُك تعاني يوماً من البطالة، او التسكع على أبواب السفارات حالماً بالهجرة؟

* هل قطعتُك مالياً يوم سافرتَ الى الخارج لتحصيل العلم وحرمتُك من تحويلات أموالك المخصصة لذلك؟

* هل تركتُك تأكلُ طعاماً فاسداً يوماً أو تتنشقُ هواءً ملوثاً أو ساماً؟

* هل جعلتُك تعاني يوماً من مشاكل بيئية أو شواطئ قذرة أو نفايات؟

* هل تركتُك تتعرض يوماً لمخاطر أمنية، لسرقة، لرصاص ابتهاج طائش؟

* هل حرمتُك يوماً من حرية التعبير فأحلتُك على القضاء؟

* هل تركتُك فريسةً لغلاء الأسعار أو الغش والإحتكار؟

* هل أوصلتُك يوماً الى البرحشة في القمامة على الطرقات؟

* هل تركتُك يوماً بلا طبابة واستشفاء ونظام يؤمن شيخوختك مستقبلاً؟

* هل تركتُك تعاني من مخاطر طرقات غير مضاءة ليلاً أو من هدر وفساد ورشوة؟

* إذاً، بعد كل هذا لماذا لا تثق بي وتدعني أطجّك إبرة اللقاح هذه وننتهي؟ فماذا تقول؟ فقال:

– تبّاً !!

هكذا إذاً، هنا، حملت الدولة الحنون إبرة اللقاح وركضت خلف ابنها الذي هرب منها ضاحكاً في أرجاء الوطن. وبقيا على ضحك ومطاردة ومرح إلى أن زركته أخيراً في القرنة السوداء.

وأخذت تصرخ في وجهه: عم قلّك خَلَص بلا هالحركات، من شو خايف؟ أنا إمك.

فأجاب لاهثاً: أوكي أوكي بعملها بس مش إنتِ .. الدكتور البزري.

وضحكا ضحك طفلين معاً من جديد، وعاشا أحلى عيشة.