عهد الزمن القوي.. مع وقف التنفيذ

.

ما ان أنهى النائب جبران باسيل، رئيس «تكتل لبنان القوي»، أكبر تكتل في المجلس النيابي الحالي -هُس ولا كلمة-، ما ان أنهى خطابه الجماهيري ظُهر الأحد الفائت في بلدة كفردبيان في كسروان، حتى اشتعلَت مواقع التواصل الاجتماعي كالعادة، بردودٍ صاخبةٍ تهاجمه وتندد بمواقفه. أتت على شكل زخّات كثيفة من التعليقات الساخنة والساخرة. رافقتها بطبيعة الحال ردودٌ مؤيدة، بدت باهتة ومتواضعة بعض الشيء هذه المرة.

كما في كل مرة، يتفنن باسيل في إغضاب جمهور الشارع المقابل. فهو يعرف كيف يستفزه بمواقف مبتكرة لاذعة، ويعرف كيف يُفَرقِعُه بتصريحات محفّزة على السخط. وهو يتلذذ في ذلك على ما يبدو. اما الشارع المذكور فهو بالمناسبة شارع طويل عريض بالأساس، أخذ يتعاظم مع الوقت بفضل باسيل وحلفائه ليصبح بحجم أوتوستراد عليه القدر والقيمة.

انما بالرغم من كل ذلك، ومهما استفحلت جحافل خصوم التيار طولاً وعرضاً، الا انها لا ولن تؤثر على اندفاعة رئيسه، نائب الإصلاح والتغيير. ولن تغبّر على أهدافه، واحلامه، ونواياه، ومخططاته. ولن تنال تالياً من نوعية خطابه او حدّته. فكلمة الحق يجب ان تُقال كما هي، حتى لو أتت ضمن مفهومٍ عونيٍ بحت لا يستوعبه الا العوني نفسه، وبمنطق برتقالي لا يستسيغه الا قلة مختارة بدقة من شرائح شعب لبنان العظيم.

أما ماذا قال باسيل ذاك الأحد؟ وهو الذي له فم يأكل وليس له فم يحكي، كما يقول المثل اللبناني المعروف. مما قاله:

«لم يزعجهم في هذا العهد الا كلمة القوي. فلا يريدون عهداً قوياً ولا رئيساً قوياً ولا تياراً قوياً. حولوا كلمة القوي الى استهزاء لأنهم يحبون الضعف والضعيف، ويحاولون ان يجعلونا نقتنع بأن لا فائدة من العهد القوي لأنه لم يأت الا بالانهيار. ولذلك يجب ان يكون ضعيفاً كي تبقى يدهم موضوعة عليه.»

وفي ردٍّ على ذلك الكلام غرّد أحد السفهاء المغرضين المصطادين في الماء العكر، والذي فضّل عدم الكشف عن اسمه وعن قرعته، مكتفياً بالتذييل بالحرفين ن. ح.، فكتب:

أولاً، هنالك تخبيصٌ في المنطق في كلام باسيل يُدرَّس في الجامعات. ثانياً، لم تزعجنا كلمة قوي بحد ذاتها. بل ان استخدامها في غير نطاقها هو ما أدهشنا. وحتى لو حولناها الى استهزاء كما تقول حضرة النائب، فهذا لا يعني أننا نحب الضعف والضعيف، بل نحب الواقع وحقيقة الأمور. فَلَيسَ إطلاق تسمية «قوي» على الشخص او الشيء هو ما يجعله قوياً، أليس كذلك؟ ولا يكفي انه بمجرّد ان نعطي الشخص او الشيء صفة ما، حتى نجعله كذلك بالفعل. بل ان التقييم الفعلي الواقعي لحال الشخص او الشيء، وخلاصة أعماله وإنجازاته وما وصل اليه، هو ما يُصَنِّفه ويرقّيه ويرفع من شأنه تلقائياً، بلا منّة من أحد او اجتهاد من أحد.

هذا من جهة، من جهة أخرى أين نحن من القوة في هذا الزمن المهترئ البائد القاحل الرديء الذي نعيش؟ وكما تقول السيدة ام كلثوم: انت فين والقوة فين، يا باشا؟

فهل تعلم يا باشا انه في العهد القوي او بالأحرى العهد الذي تَطْلُبُ منا ان «نبصم» على تسميته بالقوي، تزلزلت بيروت بأضخم تفجير بتاريخها وتزلزل معها لبنان والشعب والعالم والحق والعدل والأخلاق والقيم الإنسانية؟ ويُقال انه كان بالإمكان استدراك المصيبة تلك وتجنبها فيما لو اتُّخِذت إجراءات استباقية معينة «قوية» في الوقت المناسب؟

هل تعلم يا باشا انه في العهد القوي، صحيح اننا لم نصل الى الانهيار كما تقول، ولكننا نترنح في عين عاصفة الانهيار «القوي»، عاجزين بائسين فاقدين الأمل والرجاء؟ وإننا لم نرتطم بالجدار بعد، صحيح، ولكننا نتألم مثلما كأننا ارتطمنا؟ وأننا لم نصل الى جهنم بعد، صحيح، ولكن نارها تكاد تحرق مؤخراتنا مثلما كأننا وصلنا وتربّعنا ومشاوي وشباب؟

هل تعلم يا باشا انه في العهد القوي استمرت كل موبقات العهود السابقة من فساد ورشاوى ونفعيات، ومحصصات، وتوظيفات عشوائية وعائلية، ومحسوبيات؟ لا بل تفاقمت وترسّخت وتجذّرت وتكرّست؟ بينما كان من المفترض ان تُعالَج وتُزال وتُنظَّف في السنوات الخمس الأولى «القوية»؟

هل تعلم يا باشا انه في العهد القوي، لا تجتمع الحكومة «القوية”؟ وان اجتمعت لا تعمل؟ وان عملت لا تنفع؟ وان نفعت لا تدوم؟ وان فرطت لا تُشكَّل؟ وان شُكِّلَت تُعطَّل؟ وهكذا؟

هل تعلم يا باشا انه في العهد القوي، تنام التشكيلات القضائية «القوية» شهوراً في الأدراج نومة أهل الكهف؟ وأن بعض القضاء القوي يتخبط بالانتقائية والمزاجية والتبعية والنفعية والضياع في الزواريب السياسية الضيقة؟ والبعض يتقاذف الدعاوى، والقضايا، والتّهم، والأحكام، والطعون، وكف اليد، وكف كف اليد، ومخاصمة الدولة، وسنغفة النظام؟ ويتراشق بالقرارات الظنية القوية والاتهامية والردود الشكلية والمهلبية والملوخية والكبة بالصينية؟

هل تعلم يا باشا انه في العهد القوي، وعند كتابة هذه السطور، يتناطح الدولار القوي ويداعب الـ 25 ألفاً، فيما نحن نتنعّم بعدة أسعار للدولار؟ وأن اموالنا في المصارف نُهِبَت أُكِلت ابتُلِعت اختفت تبخّرت؟ وأن غلاء الأسعار ينهشنا؟ والفقر يسحقنا والعوز يذلنا والحاجة تُبكينا، وأن المواطن الذي يده في النار ليس كمسؤول ينام على ألف عقارٍ وعقار؟

هل تعلم يا باشا انه في العهد القوي عدنا سنين الى الوراء، وفي شتى المجالات، ولا سيما الطاقة والكهرباء؟ هل تعلم اننا عدنا الى العتمة والظلام والشمعة؟ وأن فريقكم السياسي «القوي» تسلم وزارة الطاقة أكثر من 12 سنة ولم يتقدم قيد أنملة، ولم يتخلص من المشكلة، ولم يخلّوه ان ينفّذ خطته التحفة؟ وانه كبّد الخزينة 40 مليار دولار؟ وساهم في تفاقم الدين العام؟ بربكم، ماذا كنتم تملئون خزانات المعامل الحرارية، فيولاً عادياً ام عطور كريستيان ديور؟

هل تعلم يا باشا انه في العهد القوي انتشرت البطالة القوية واستفحلت هجرة الأدمغة والطاقات البشرية القوية؟ وتدنت القدرة الشرائية وأقفلت المعامل والمناطق الصناعية؟ وضُربت المؤسسات التربوية، والمجمعات السياحية؟ وتداعت المراكز الاستشفائية؟ وفُقدت الأدوية من الصيدليات؟ وشحّ البنزين في المحطات، والمازوت في الخزانات، فَبَرَدَ الشعب العظيم في المناطق الجبلية؟ وازدهر التهريب عبر الحدود البرية؟ وتصدَّر الكبتاغون في ثمرة الرمّان والفواكه الموسمية؟

اذاً، هكذا ردّ المُغرض ن.ح. على كلام النائب باسيل.

وهنا اختُمُ بالتطرق الى موضوع آخر وهو «السؤال الاحصائي» الذي طرحتُهُ على صفحة تويتر خاصتي منذ أسبوع ويقول: «هل أنتم راضون عن أداء الطبقة الحاكمة الحالية في لبنان في ادارتها لشؤون البلاد والعباد؟»

شارك في الإحصاء 2773 شخصاً وكانت النتيجة %91 اجابوا «كلا»، %6 قالوا «نعم»، و%3 اكتفوا بـ «لا اعرف».

ومن جديد صبّ المتابعون جام غضبهم على الـ %6 الراضين عن أداء الطبقة الحاكمة، وأوردوا في تعليقاتهم أسئلة من نوع: «هل تعيشون معنا؟»، «هل أنتم من سكان المريخ؟»، «هل أنتم طبيعيون؟»

أحد المغرّدين المغرضين أيضاً حاول الإجابة على تساؤلات رفاقه فكتب ما يلي: «انهم اتباع العهد القوي والوزير القوي والتيار القوي، الذين نصلّي لهم دائماً كي يستفيقوا يوماً من تخديرهم، ويتنعّموا مثلنا بالوعي القوي».

أخبار ذات صلة