أفغانستان على حافة المجاعة

طالبان: لا نريد من الغرب سوى إعادة أموالنا

.

بنجامين بيركين  وفضل من اللهقازيزاي (فايننشيل تايمز)

كان صبغة الله أحمدي، مثل ملايين الأفغان الآخرين، سعيدًا بنهاية 20 عامًا من الحرب في بلاده. دمر القتال قريته في كابيسا، وهي مقاطعة بالقرب من كابول. لكن بعد أربعة أشهر من استيلاء طالبان على السلطة وانسحاب الولايات المتحدة، لا يجد ما يدعو إلى البهجة.

الشاب البالغ من العمر 25 عامًا، العاطل عن العمل والذي تثقل الديون كاهله، يخطط لترك طفله البالغ من العمر عامين وزوجته الحامل والتوجه إلى إيران، للبحث عن عمل في موقع للبناء. يختار الكثيرون أمثاله الاستمرار في رحلة برية محفوفة بالمخاطر إلى أوروبا. يقول: “يجب أن أسافر بحثا عن حياة أفضل”.

منذ أن استولت طالبان على العاصمة كابول في أغسطس، توقف التمويل الأجنبي الذي كان يشكل ما يقرب من نصف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد البالغ 20 مليار دولار في عهد الرئيس السابق أشرف غني. وقد أصبح الملايين من الأفغان الذين يعتمدون على القوات المسلحة أو البيروقراطية أو المنظمات الدولية الآن، عاطلين عن العمل أو أنهم لم يتسلموا رواتبهم منذ عدة أشهر.

لقد أدت العقوبات، وتجميد أكثر من 9 مليارات دولار من احتياطات البنك المركزي الخارجية من قبل الولايات المتحدة، إلى عزل النظام وإصابة الاقتصاد بالشلل.

وتقول جماعات دولية وخبراء اقتصاديون إن الانهيار السريع لأفغانستان أمر غير مسبوق. يتوقع صندوق النقد الدولي أن ينكمش الاقتصاد بنسبة 30 في المائة في غضون أشهر. لقد أصبحت أفغانستان أفقر بلد في آسيا، وفقًا لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، حيث أن ملايين الأفغان غير قادرين الآن على تأمين تكاليف الغذاء. تقدر منظمة اليونيسف أن مليون طفل معرضون لخطر الموت من الجوع لأن الشتاء القارس يستنفد الإمدادات الغذائية ويقطع المجتمعات الريفية. ويقدر برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة أن 98 في المائة من الأفغان ليس لديهم ما يكفي من الغذاء، مع اقتراب ربع السكان البالغ عددهم 40 مليون نسمة من مستويات المجاعة.

كل يوم نشهد الانهيار التدريجي لأحد أنظمة الدولة، كالنظام المصرفي والنظام الصحي إلخ. يقول عبد الله الدردري، رئيس برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أفغانستان: “التعليم والمياه والصرف الصحي، كل هذه الأنظمة تتساقط الواحد تلو الآخرز الوضع الداخلي قد ينفجر وتكون له عواقب إقليمية هائلة، إذا لم نفعل شيئا، لكن لا يمكنك الاستمرار في مراقبة انهيار البلاد. لا يمكن للناس ألا يحركوا ساكنا وهم يرون أطفالهم يتضورون جوعا حتى الموت”.

كارثة اقتصادية

طالبان، التي تفتقر إلى الموارد والخبرة لوقف الكارثة الاقتصادية، تصف تجميد الأصول بأنه دليل على قسوة الغرب. يقول شافي عزام، المسؤول في وزارة الخارجية: “لا نطالب سوى بإعادة أموالنا لنا. المجتمع الدولي يجعل الأفغان العاديين رهائن انتقاما لإخفاقاته السياسية.”

تدافع الولايات المتحدة وحلفاؤها عن القيود المالية المفروضة على أفغانستان ردًا على سيطرة طالبان على البلاد وممارساتها القمعية تجاه النساء.

لكن مع اقتراب أفغانستان من المجاعة، هناك ضغط شعبي ودبلوماسي متزايد على الولايات المتحدة وأوروبا ودول أخرى لفك تجميد الاحتياطات ومحاولة منع وقوع ما يخشى البعض أن يكون أزمة إنسانية كارثية.

على الرغم من أن بعض الدول تقدم مساعدات غذائية محدودة ومساعدات أخرى من خلال هيئات مثل الأمم المتحدة، إلا أن الدعم الأوسع للدولة التي تسيطر عليها طالبان يظل خطاً أحمر سياسيًا في الغرب. ومع ذلك، يحذر النقاد من أنه بدون تدابير حقيقية، ستنهار الخدمات الحيوية كالصحة العامة والتعليم.

حرب وحشية

وكانت وزارة الخارجية الأميركية أعلنت منذ أيام إن الولايات المتحدة قدمت 208 ملايين دولار كمساعدات إنسانية لأفغانستان منذ أغسطس، أي أكثر من أي دولة أخرى. وقالت: “لدينا جميعًا مصلحة في أفغانستان مستقرة وآمنة، ولكن أيضًا تلبية الاحتياجات الإنسانية للشعب الأفغاني”.

ومع ذلك، فإن الكثير من الأفغان يوجهون غضبهم نحو الولايات المتحدة وأوروبا وحلفائهم. يشعر هؤلاء الأفراد الذين تم التخلي عنهم في الإنسحاب الفوضوي، بالخيانة، بينما يصف المحللون والدبلوماسيون الأجانب الانهيار السريع للدولة الأفغانية بأنه لائحة اتهام للنظام الفاسد للغاية الذي قضت الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي فيه 20 عامًا في حرب وحشية من أجل بنائه.

يقول أحد المسؤولين الغربيين: “كانت الدولة بأكملها تُدار بالفساد. لهذا السبب انهارت.”

بعد الاستيلاء على أفغانستان، وعدت طالبان بإرساء النظام وإنهاء العنف الناجم عن الصراع وجرائم الشوارع والقضاء على الفساد.

حتى أن العديد من معارضيهم المحليين يقرون ببعض التحسن في هذه المجالات، ولكن أيًا كان الأمن الموجود الآن في أفغانستان فهو هش. بينما أعلنت حركة طالبان “عفوًا” عن خصومها السابقين، وثقت جماعات حقوق الإنسان حملات إعدام و “اختفاء” لرجال شرطة سابقين وغيرهم ممن تم تصنيفهم كخصوم.

وتنفي طالبان ذلك أو تنسبه إلى مقاتلين مارقين يقومون بتصفية حسابات شخصية. لكن الكثير من الأفغان يخفون شعورهم بالرعب.

يقول مترجم عمل مع القوات الأميركية ممن يحاولون المغادرة، “إنهم لا يطاردوننا أثناء النهار، لكن الوضع مختلف أثناء الليل”.

داعش خراسان

كما أن طالبان منخرطة أيضًا في حرب ضد داعش خراسان الذي نفذ سلسلة من التفجيرات وعمليات الإعدام التي أودت بحياة مئات الأشخاص منذ الصيف.

إن معاملة طالبان القمعية للمرأة هي أكبر عقبة أمام مساعيها لتطبيع العلاقات مع العالم. عندما حكمت الجماعة أفغانستان في الثمانينات والتسعينات، لم يُسمح للنساء بالدراسة أو العمل، أو مغادرة المنزل دون ولي أمر، وتعرضن لعقوبات سادية بما في ذلك الجلد والرجم.

فلم تتمكن نادية، البالغة من العمر 14 عامًا، من رؤية صديقتيها المقربتين زاكيرة ومريم منذ وصول طالبان إلى فايز آباد، وهي بلدة تقع في سفوح جبال هندوكوش شمال شرق أفغانستان، في أوائل أغسطس. مثل العديد من الفتيات المراهقات في جميع أنحاء البلاد، ولم يُسمح لها بالعودة إلى المدرسة وتقضي الآن أيامها في مساعدة والدتها في العمل بالمنزل ذي الجدران الطينية حيث تعيش هي وإخوتها الستة.

لعبة النهاية

انتعش الاقتصاد الأفغاني بعد أن أطاحت الولايات المتحدة وحلفاؤها بنظام طالبان لأول مرة في عام 2001، حيث ارتفع الناتج المحلي الإجمالي من حوالي 4 مليارات دولار في عام 2002 إلى 20 مليار دولار العام الماضي. لكن العديد من هذه المكاسب -ليس فقط في النمو ولكن الصحة والتعليم والفرص -بدأت تضيع بسرعة.

الآن، على الرغم من المساعدات الإنسانية المحدودة مثل الدعم الغذائي، يقول المحللون إن هناك حاجة إلى مزيد من التمويل لحماية الاقتصاد والخدمات العامة من الانهيار التام. كما أن علامات الاستفهام بدأت تثار حول مصير مليارات الدولارات من السدود والمناجم وخطوط الأنابيب التي يتم بناؤها بأموال غربية.

يجادل النقاد بأن المزيد من الدعم ضروري لمنع زعزعة الاستقرار الإقليمي، وانفجار العنف واندلاع أزمة مهاجرين جديدة.

ملء الفراغ

تتحدث بعض الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، مع طالبان من خلال القنوات الدبلوماسية في قطر -مما ساعد في التفاوض على اتفاق السلام بين البلدين -بينما يخطط الاتحاد الأوروبي وعدد قليل من الدول الأخرى لإعادة فتح بعثاتها في كابول.

وسعت القوى المتنافسة، مثل تركيا وروسيا وباكستان، لملء الفراغ الذي تركته الدول الغربية، وتعميق العلاقات مع أفغانستان منذ تولي طالبان زمام الأمور.

وعززت الصين أيضًا من وجودها، حيث قامت مجموعات الأعمال باستكشاف الاحتياطيات الهائلة من المعادن في البلاد مثل الليثيوم وعقد صفقات لشراء المنتجات الزراعية. يقول خان جان ألوكزاي، القائم بأعمال مدير غرفة التجارة الأفغانية، إن النشاط التجاري الصيني في كابول قد تضخم في الأشهر الأخيرة.

يقول أحد المسؤولين الغربيين: “لقد دفعت الولايات المتحدة دمائها وأموالها، وسيقطف الصينيون الثمار “.

كان الدعم المالي الصيني المباشر لأفغانستان متواضعا، حيث قدم حوالي 30 مليون دولار من المساعدات الإنسانية في سبتمبر. يقول عزام إن طالبان لن تسمح لأفغانستان بأن تصبح دولة تابعة للقوى الأجنبية، وهو انتقاد ضمني للإدارة السابقة.

ويضيف إن “العلاقة مع الولايات المتحدة وباكستان والهند والصين وروسيا –سوف تستند إلى سياساتنا. إذا أرادت الولايات المتحدة أو الهند أن تصبح حكومتنا دمية في أيديهم، فلن يحدث ذلك أبدًا.”

يتساءل مسؤولون أميركيون عن المدة التي يمكن أن تستمر فيها حكومة طالبان بدون دعم مالي أجنبي، ومع ذلك يتحدون ببطء حول نتيجة غير مريحة: قد يكون بقاءها في مصلحتهم.

يقول أحدهم: “إن انهيار هذا النظام سيكون كارثيًا. سيكون الأمر أسوأ للجميع.”