هل حقاً أننا نعلم ما ننتظر في لبنان؟

.

درجت العادة في مطلع كل عام جديد او قبل حلوله بأيام، ان يعمَد الكثير منا نحن البشر، هنا وهناك وفي كل انحاء العالم، لا سيما القسم المتحضر منه، الى تدوين لوائح بالأمور التي سنسعى للقيام بها خلال العام، والأهداف التي نطمح لتحقيقها.

وتكون هذه اللوائح عادةً على الشكل والمضمون التاليين:

أريد هذا العام أن:
– أخفف وزني
– أو أزيد وزني
– أوقف التدخين
– أشتري سيارة
– أخطب
– أتزوج
– أسافر
– اتعلم الرسم
– اتعلم العزف
– اتعلم التزلج
– اتعلم لغة جديدة
– أشتري منزلاً
– أنشئ متجراً
– أدخر مالاً
– الخ..

تُكتب هكذا لوائح في كل بلاد العالم.. أما في لبنان فقد أصبحت لوائحنا مختصرة، وغالباً ما تقتصر على حلمٍ واحد وحيد هو:

– أريد أن أعيش.

انه الزمن القوي يا سادة. وما أدراكم ما الزمن القوي؟ الله لا يجرّب احداً. انه زمن الكرامة الفائضة. زمن البحث عن لقمة العيش في الشارع.. في البقايا.. كي لا نقول أين، تحديداً.

ويطول الانتظار. ويطول الكابوس. الجميع ينتظر شيئاً ما، لا أحد يعرف ما هو. لا أحد يعرف شكل الخلاص. لا أحد يعرف طول النفق. لا أحد يعرف ماذا يوجد في آخر النفق.

هل حقاً اننا ننتظر نتائج مفاوضات قائمة في فيينا مثلاً؟ مفاوضات لا ناقة لنا فيها ولا جملاً. مفاوضات لا دخل لنا فيها. لا تشبهنا بشيء. لا تمتّ لنا بِصِلة، الا لأنها..

أم هل حقاً اننا ننتظر حرباً كتكوته في المنطقة؟ او فوق رؤوسنا؟ او بين أقدامنا؟

هل حقاً اننا ننتظر حرباً قد تطيح بما تبقى من أخضر ويابس فيما كان يُعرف يوماً بوطن النجوم والأرز والهناء والإشعاع والنور ومرقد العنزة وسويسرا الشرق؟ وبحيث تقضي تلك الحرب على كل ما تبقى من هيكل عظمي متهالك تتعكّز عليه فرائص ما تبقى من هذا الوطن؟

هل حقاً اننا ننتظر حرباً تقلب الطاولات، تغيّر المعادلات، قد تكون من نتائجها خيبات او كبوات او نكبات، او بطولات، او انتصارات، او طرد سفارات، وأتباع سفارات خونة، وهروب جماعي من مطار بأجساد بائسة متدلية من إطارات الطائرات؟

هل حقاً اننا ننتظر انتخابات نيابية؟ انتخابات حيادية علمية نزيهة شريفة عفيفة بديعة سميرة؟ انتخابات يتغيّر بنتيجتها الواقع السياسي والمعيشي والاجتماعي، ويقلب كل شيء معها رأساً على عقب؟ وينتج عنها امر واقعٍ جديد، قوامه اصلاح وتغيير حقيقيان. ويتمتع بقوةٍ تستطيع فعلاً ان تنظّف الدرج وتشطفه بالديتول وماء الجفيل ودير الجنرال وتعقمه وتطهره وتهفهفه من الأعلى، الأعلى، أي من السطح نزولاً الى أخمص مكامن الهدر، والفساد، والسرقات، والصفقات.

هل حقاً اننا ننتظر انتخابات نيابية هي بحاجة، أقله لوجستياً، الى تيار كهربائي متواصل، في حين ان وزارة طاقتنا وكل الطاقات وكل الصفقات وكل السرقات وكل المليارات، غير قادرة على تأمين التيار الكهربائي حالياً الى المنازل والمستشفيات والمدارس والمصانع، أو حتى الى مطارنا الدولي الذي قد يعمد قريباً الى اضاءة مدارجه بالشموع؟

هل حقاً اننا ننتظر الاعتماد على قضاء عادل نزيه، قضاء لم يحرك بالأمس ساكناً، ولم يستأنف التحقيق في ما جاء في برنامج تلفزيوني ورَدَت فيه معلومات، وأدلة حسية دامغة، تتعلق بسفر وزير طاقة من سنوات الى تركيا، ربما في محاولة لعقد صفقة جانبية ما، مع شركة بواخر كهرباء على حساب الشعب اللبناني؟ فالقضاء هذا، لم يقم بأي استدعاء أو مساءلة، ولم يفتح الملف من جديد للتحقيق في الموضوع. وماذا لو أعاد فتحه، حتى لو كان ذلك للمرة الثالثة او الرابعة او العاشرة؟

هل حقاً اننا ننتظر انعقاد طاولة للحوار يرأسها ويديرها أحد أطراف النزاع، مع احترامنا الكامل لشخص الرئيس؟ الا انه هل يمكننا الفصل -شئنا ام ابينا- بين شخصه الكريم وبين ما يمثله اساساً من فريقٍ طويل عريض من المتحاورين ينتمي اليه بطريقة او بأخرى؟ هل المشهد متكافئ برأيكم، أقلّه من حيث الشكل؟

هل حقاً اننا ننتظر عودة الدولار ادراجه، وانخفاض سعره الى الـ 5000 او 10000 ليرة مثلاً؟ او عودة أموال المودعين الى أحضان أصحابها. هل نتوقع ان نرى يوماً المودع في مشهد عناق عاطفي طويل مع ودائعه، كالعائدين من غربة طويلة، ودموع فرح و«وين كنتوا يا زعران؟» «وأوعكم تجربوا تبعدوا عني شي مرة من اليوم وطالع» وهذه الأمور؟

أعيدوا لنا لبناننا يا سادة. أعيدوا لنا حياتنا. أعيدوا لنا تاريخنا وتراثنا وأسلوب عيشنا وتفكيرنا. كرامتكم على سعر الدولار 30000 مرهقة. متعبة. مكلفة. طعجتنا طعجاً صراحة. لَوَت مفاصلنا. هتكت أعراضنا كي لا نقول انها نهكت أختنا ونهكت عرضنا. احملوها كما هي وتخلصوا منها فوراً. ارموها في البحر. اطعموها للقطط، كي لا نقول لشيء آخر. يا اخي لنفترض انها رائعة، ولكنها لا تلائمنا. ليست على مقاسنا. انها تخنقنا. تحز على رقابنا. تعيق مجرى تنفسنا. هل عندكم مقاس أكبر بنمرتين، يا أخي؟

ألا تعرفون أنه لو أردنا إطالة لائحة أحلامنا وطموحاتنا للعام الجديد والتي اقتصرت على «أريد أن أعيش»، سوف تكون على الشكل التالي؟

– أريد أن أخرج من بيتي وأعود اليه بسلام
– أريد أن تنعم عائلتي بالأمن والغذاء والدواء والدراسة
– أريد أن أجد عملاً وأعيش حياة كريمة مثل سائر البشر
– أريد أن أعيش برفاهية
– أريد استعادة أموالي ومدخراتي
– أريد تأميناً صحياً من طبابة واستشفاء ودواء
– أريد ضماناً اجتماعياً ومعيشياً
– أريد زج المرتكبين من كبيرهم الى صغيرهم في السجن
– أريد أن يبقى صوتي عالياً مسموعاً
– أريد أن أكون مواطناً صالحاً آمناً في أجمل بلد في العالم

هل أطلب الكثير؟

وأخيراً، ماذا يعني ان يمتنع المعلمون عن التدريس لأسباب صحية متخوفين من كورونا، أمر بديهي ولكن، لأسباب «معيشية»؟ أي انهم متخوفون من هدر ما تبقى في جيوبهم من الشحيح من المال وصرفه على نفقات التنقل المكلفة مثلاً؟ أي انهم بحسابات بسيطة: مش عم توفّي معهم؟

وإذا لم يكن مشهد قرار المعلمين، إضافة الى كل ما ورد أعلاه من مشاهد، «أدلّةً حسية» على أن البلد دخل في حالة موت سريري، كيف يمكن لحالة الموت السريري لبلد ما ان تكون غير ذلك؟ ألا يشبه البلد سيارة وقد فرغت من الوقود فتوقفت الى جانب الطريق، او حتى في وسط الطريق؟ انه لأمر محزن حقاً. حدا ينط يجيب شي غالون كرامة. تنكة كرامة 95 اوكتان حقها مليون، بتبلّ الريق وبتمشّي الحال كم يوم.

اختك، بلد!