جنون عالم السيارات قفز بقيمة القطاع إلى 3 تريليونات دولار

.

لعلك تعتقد أنَّ الطرح العام الأولي لشركة المركبات الكهربائية المذهلة “ريفيان أوتوموتيف” (Rivian Automotive) -بتقييمها الذي تجاوز حاجز 100 مليار دولار مع تحقيق صفر إيرادات- يعكس حالة الجنون التام التي سادت عالم السيارات في عام 2021. أنا أخالفك الرأي، لأنَّ ما أثار الجنون حقاً، هو أول نتائج فصلية للشركة عندما قالت إنَّها ستفشل في تحقيق هدفها الإنتاجي بـ”بضع مئات” من المركبات.

أصبحت “ريفيان” فجأة عرضة لطريقة التقييم التي تستخدم تقدير قيمة الاستثمار بناء على التدفقات النقدية المستقبلية المتوقَّعة؛ فقد قامت السوق على الفور بتقييم سهم الشركة أقل بـ10%، أو 9 مليارات دولار من قيمتها السوقية، في يوم واحد.

كان عام 2021 عاماً غريباً بالنسبة إلى أسهم السيارات، فقد كانت هناك أولاً، أمور واضحة مثل القيمة السوقية لشركة “ريفيان”. كذلك، دائماً ما كانت تظهر القوة الكهربائية الهائلة لشركة “تسلا”، التابعة للملياردير إيلون ماسك، إذ تجاوزت قيمتها السوقية حاجز تريليون دولار قبل أن تتراجع إلى ما دون ذلك، فقد باع ماسك الذي اختارته مجلة “ذا تايم” شخصية العام، 11 مليار دولار تقريباً من حصته في الشركة لدفع فاتورته الضريبية، بعد أن أجرى استطلاع رأي على موقع “تويتر” أهان من خلاله العديد من أعضاء مجلس الشيوخ.

أما الأمور غير الواضحة؛ فكانت مثل تلك التي تتعلق بـ”الديناصورات” الذين يصنّعون المركبات العاملة بالوقود التي مازلنا نستخدمها في الغالب، مثل “فورد موتور”، و”تويوتا موتور”. وبغضِّ النظر عن أنَّ هذه الشركات في طريقها إلى عالم النسيان مع وجود ماسك وشركات صناعة المركبات الكهربائية الناشئة الأخرى؛ فقد سجلت أسهم شركات السيارات التقليدية أيضاً ارتفاعاً كبيراً.

كل ذلك، يضعنا أمام نتيجة مثيرة للاهتمام، وهي: قطاع السيارات العالمي الذي كانت تقدّر قيمته بنحو تريليون دولار قبل جائحة كورونا مباشرة، أصبحت قيمته تقدّر الآن بنحو 3 تريليونات دولار.

تعاظم القيمة السوقية

هذه ليست الطريقة التي يفترض أن تسير بها الأمور في طريق التحوّل العظيم نحو المركبات الكهربائية. تهدف شركات المركبات الكهربائية الخالصة إلى زيادة حصتها في سوق السيارات، جنباً إلى جنب مع سوق الأسهم، لتحلّ في النهاية مكان السيارات التقليدية والشركات المصنِّعة لها. وبدلاً من ذلك؛ استحوذت أسهم السيارات الكهربائية بالفعل على نصف القيمة السوقية لسوق السيارات العالمية، وسط تسجيل النماذج الكهربائية حوالي 7% فقط من مبيعات السيارات. وبتعبير أدق؛ لقد أضافت هذه الشركات نحو نصف القيمة السوقية الإجمالية.

كما أشار المحللون في شركة “إيفركور آي إس آي” (Evercore ISI)، في تقرير صدر في نوفمبر، إلى أنَّه لم تتم إزاحة أحد، بل تضاعف حجم المجموعة بأكملها ثلاث مرات تقريباً.

تستحوذ الزيادة المذهلة التي سجلتها القيمة السوقية لـ”تسلا” بمقدار 12 ضعفاً، على نصف هذا التوسع. وقفزت القيمة السوقية لمصنّعي السيارات الكهربائية الآخرين، كما ارتفعت قيمة الشركة الصينية “بي واي دي” (BYD)، المفضلة لدى الملياردير وارن بافيت، بنحو 100 مليار دولار، أي نحو سبعة أضعاف. كذلك؛ أضاف الوافدون الجدد على صناعة السيارات الكهربائية، مثل “ريفيان”، و”لوسيد غروب” (Lucid Group)، و”إكس بانغ” (XPeng)، نحو ربع تريليون دولار من خلال الاكتتابات العامة.

اللاعبون القدامى

مع ذلك، لعب الأعضاء القدامى دوراً أيضاً؛ فقد ارتفعت القيمة السوقية لشركة “فورد” بأكثر من الضعف، في حين ارتفعت قيمة شركة “جنرال موتورز” بأكثر من النصف. وتضاعفت تقريباً قيمة شركة “تويوتا” بعد أن سجلت أكبر قيمة سوقية في الصناعة نهاية عام 2019، في حين قفزت قيمة شركتي “هيونداي موتور”، و”كيا” الكوريتين الجنوبيتين بنسبة 75% على الأقل. لم يتمتع كبار المصنّعين الأوروبيين بمثل هذه المكاسب الرائعة، لكنَّهم مازالوا في حالة ارتفاع بنسبة تتراوح بين 20% إلى 40%.

من كان يظن أنَّ الاضطراب يمكن أن يكون سخياً جداً بالنسبة إلى المعنيين كافةً؟

ثمة تفسير “بانجلوسي” إيجابي (الذي يعني التفاؤل المطلق بغضِّ النظر عن الظروف) لكل هذا، ينطوي على تحوّل صناعة قديمة من التروس والشحوم إلى شيء تقني رقمي مكهرب، إذ تصبح المركبات هواتف ذكية تتنقل على عجلات. كذلك؛ قد تسهم الخدمات الجديدة ذات الهامش الربحي المرتفع بشكل كبير في تعزيز قيمة السيارة المتواضعة، وبالتالي؛ تعزيز قيمة كل الشركات التي تصنع هذه السيارات وتقوم بتحديثها، وربما قيادتها.

ريادة “تسلا”

تقدّم “تسلا” هذه النظرة العالمية من الألف إلى الياء، إذ تميل النماذج الصاعدة المقدّمة من الطرف البائع إلى أن تكون مصحوبة بأعمال مستقبلية غير مصنعة، مثل سيارات الأجرة ذاتية القيادة. كما أنَّ الارتفاع في أسهم السيارات التقليدية يدين بشيء لهذا النوع من الترويج، إذ إنَّ الشركات الحريصة في التعامل، مثل “تويوتا”، و”سوبارو” (Subaru)، أعلنت عن دفعة كبيرة نحو السيارات الكهربائية. وراهنت “جنرال موتورز” و”فورد” بالمال في شركتين ناشئتين مستقلتين وجادتين؛ هما “كروز”، (Cruise)، و “أرغو إيه آي” (Argo AI) على التوالي.

هذا لا يعني رفض السرد التفاؤلي الخارج عن نطاق السيطرة، إذ تشهد الأعمال التجارية المتعلقة بالسيارات تحولاً لأسباب تكنولوجية ومجتمعية على حدٍّ سواء. وتشكّل المركبات الكهربائية المتصلة منصة لأنشطة تجارية جديدة بالفعل، خصوصاً مع تطوير قدرات القيادة الذاتية، وتطور معدات وخدمات البطاريات، وعمليات الشحن. لكن كما كان الحال دائماً؛ فإنَّ نطاق وتوقيت هذا التحوّل يمكن التنبؤ بهما مثل التغريدة القادمة التي سينشرها إيلون ماسك على سبيل المثال.

علاوة على ذلك؛ فإنَّه يتحدى السبب ليفترض أنَّ القطاع الذي مايزال يعمل بشكل أساسي في مجال بيع حوالي 95 مليون مركبة سنوياً؛ أصبح فجأة يساوي ثلاثة أضعاف ما كان عليه قبل عامين. فضلاً عن أنَّ هناك أيضاً قطاعاً ضخماً للأجزاء والمكونات، وهو غير محسوب ضمن هذا الرقم البالغ 3 تريليونات دولار. فعلى سبيل المثال؛ تبلغ القيمة الحالية للشركة الصينية لصناعة بطاريات المركبات الكهربائية “كونتمبوراري أمبريكس تكنولوجي” (Contemporary Amperex Technology)، حوالي 220 مليار دولار، بعد أن كانت 30 مليار دولار فقط قبل عامين.

تقييمات نسبية

الجدير بالذكر أنَّ تحوّل الطاقة يهدف إلى التخلص من مليار أو ما يقارب ذلك من محركات الاحتراق الداخلي التي تشغّل السيارات حالياً، وليس مجرد إضافة نظائر كهربائية جديدة، لكن السوق اليوم تسعّر السيارتين من أجل “تسلا” وغيرها من مشغلي المركبات الكهربائية النقية لتحقيق اكتساح، ومن أجل قيام الشركات القائمة بعمل أفضل.

ما يترتب على هذا التناقض الظاهري هو أنَّ القيمة السوقية البالغة 3 تريليونات دولار، لا بدَّ وأن تتقلص قريباً. في هذه الحالة، يكون السؤال الأكبر هو كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ لكنَّ التقييمات النسبية توفر إجابة محتملة.

على الرغم من ارتفاع القيم السوقية؛ فإنَّ الأرباح المضاعفة لأسهم السيارات التقليدية مازالت ضئيلة بالمقارنة مع تلك الخاصة بمحبي السيارات الكهربائية. فعلى سبيل المثال؛ ارتفع مضاعف أرباح “فورد” المتوقَّع قبل احتساب الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك بأكثر من الضعف منذ نهاية عام 2019. ومع ذلك؛ فإنَّ المضاعف النسبي لشركة “تسلا” أصبح الآن في الواقع أعلى قليلاً مما كان عليه آنذاك.

بالتأكيد، ربما تفشل “فورد”في تغيير نفسها، كما فعلت شركات كثيرة قائمة من قبل. عند مكرر ربحية يعادل خمسة أضعاف الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك؛ فإنَّ الشركة بالكاد يتم تسعيرها لتحقيق بعض الانتصارات.

قوة “فورد”

تتمتع “فورد” بنقاط قوة حقيقية يمكنها إظهارها. فكما هو الحال مع أقرانها، استطاعت “فورد” الاستفادة من بعض الضجة المثارة حول السيارات الكهربائية، كما زادت من لعبتها اللاذعة عبر “تويتر” (برغم ذلك لم تشنّ أي هجمات ضد أعضاء مجلس الشيوخ حتى الآن). لكنَّ ارتفاع قيمتها يدين بالكثير إلى عوامل مألوفة إلى حدٍّ ما، خصوصاً قوتها التسعيرية بعد أن قوبل الطلب الأخير بتراجع كبير في المعروض.

كذلك، تعمل “فورد” على تصنيع الشاحنة الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة، وهي شاحنة “إف-150” (F-150) المربحة للغاية، إذ من المؤكد أنَّ نسختها الكهربائية ستهزم سيارة تسلا “سايبر تراك” (Cybertruck) في السوق. وحتى تعادل قيمتها خمسة أضعاف الأرباح قبل الفوائد والضرائب والاستهلاك والإطفاء، لا بدَّ أن تظل “فورد” مواكبة للتطورات.

يكمن الخطر الأكبر في هذا القطاع في مضاعفات الربحية المحلّقة للمركبات الكهربائية. لقد تحدّت “تسلا” المشككين فيها -وهذا المضاعف إحداها- لكنَّ مضاعفها الذي يزيد على 60 ضعفاً، مازال يبدو ضعيفاً لأنَّه يرتكز ضمنياً على الشركة التي تكتشف القيادة الذاتية، فضلاً عن أمور مماثلة قريباً.

القيادة الذاتية

ربما تنبغي مشاهدة هذا الأمر في عام 2022. فمع تأخير “سايبر تراك”؛ ربما تميل “تسلا” إلى تطوير مواصفات سيارات الأجرة ذاتية القيادة، كما حدث في الماضي. مع ذلك، يبدو أنَّ الجهات التنظيمية الأمريكية المتفائلة حتى الآن، كانت تلقي نظرة أكثر حذراً على سلامة تكنولوجيا القيادة المساعدة التابعة لشركة “تسلا”، كما أنَّهم يبدون قلقين بشأن ميزة “تسلا” التي تسمح للملاك بلعب ألعاب الفيديو أثناء القيادة. هل تتخيّل ذلك؟

هذا لا يعني أنَّ صنّاع السيارات الكهربائية الجدد محكوم عليهم بالفشل، أو أنَّ المركبات الكهربائية مجرد موضة عابرة، بل على العكس. كان نجاح “تسلا” الذي لا يمكن إنكاره يتلخص في حث بقية الصناعة للتحول نحو المركبات الكهربائية، وتمهيد الطريق أمام مجموعة سيارات تشبه بعضها.

إنَّ أحد الأسئلة المفتوحة الأكثر إثارة في الواقع؛ هو كيف يمكن للشركات القائمة الاستفادة من هذه الشركات التكنولوجية لخدمة مصلحتها الذاتية؟. فعلى سبيل المثال، تعمل شركة “هارلي-ديفيدسون” (Harley-Davidson) جزئياً على إدارة وحدتها للدراجات الكهربائية “لايف واير” (LiveWire).

في الوقت ذاته، يبدو أنَّ الإطاحة الأخيرة بالرئيس التنفيذي لشركة “كروز”، ركّزت على خلاف بشأن ما إذا كان يتعين على شركة “جنرال موتورز”، المالكة صاحبة الحصة الكبرى، إطلاق الاكتتاب العام الأولي للشركة الناشئة العاملة في سيارات الأجرة الذاتية، ومتى يمكنها ذلك؟ مما لا شكَّ فيه أنَّ التناقض المندرج ضمن تقييم القطاع البالغ 3 تريليونات دولار، يجب أن يشجع على التحرك عاجلاً وليس آجلاً في هذا المجال.

مشكلات البطاريات

يتجلى في الخلفية شبه اليقين بأنَّ صُناع السيارات الحاليين سيواجهون عقبات في حين ينفقون مليارات الدولارات لاقتناص فرصة التحوّل. وستكون العقبة الأكبر المحتملة هي عدم تناسب البطاريات التي وعدوا بها مع توفر المعادن اللازمة لصنعها. ويوضح “بينشمارك مينرال إنتلجينس” (Benchmark Mineral Intelligence)، وهو مزود للبيانات مقره لندن، هذه المسألة هنا.

ختاماً، هناك خطر دائم من إمكانية اجتذاب هذه المصيدة البالغة تكلفتها 3 تريليونات دولار لعوامل أخرى تتسبب في حالة عرقلة. فلا يمر عام كامل على عالم السيارات الآن دون ظهور بعض التقارير التي تفيد أنَّ شركة “أبل” تتجه أخيراً إلى صنع سيارات بطريقة مماثلة لتلك التي فعلتها مع الهواتف المحمولة.

حتى الآن، يبدو أنَّ جهودها لم تكن مفيدة بشكل رئيسي لأحد سوى شركات التوظيف التنفيذي بدلاً من إحداث ثورة في قيادة السيارات، لكن سيكون من الحماقة استبعاد “أبل” تماماً. وبغضِّ النظر عن سمعتها المرموقة في قلب الأمور رأساً على عقب، ثم الاستحواذ على الصناعات؛ فإنَّها تتمتع بقيمة سوقية -حسناً انظر إلى ذلك- تبلغ 3 تريليونات دولار تقريباً.