الحكومة مكانك راوح… وميقاتي يُسقط مخطط التفجير

المشهد السياسي محصور بما ستفرزه الاستعدادات القائمة للانتخابات

.

بعد فشل محاولة اجراء حوار وطني في قصر بعبدا، وبعد مؤتمر المعارضة السعودية الذي عُقد في بيروت برعاية ومشاركة حزب الله، وشكّل مناسبة لمهاجمة حكومات دول الخليج العربي، سيما منها المملكة العربية السعودية، اضمحلت الآمال المعلّقة على احتمال اعادة احياء الحكومة، وبات المشهد السياسي في المرحلة المقبلة محصوراً بما ستفرزه الاستعدادات القائمة للانتخابات النيابية.

ومن خلال التطورات المتلاحقة، بات في شبه المؤكد، أن حماسة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي لاستعادة حكومته من خلال استئناف جلسات مجلس الوزراء تتراجع يوما بعد يوم. وبالاضافة الى الاسباب السابقة المعروفة، والتي دفعت الى الاعتقاد ان ميقاتي غير متحمّس كثيرا لعودة اجتماعات مجلس الوزراء، ومنها معركة التعيينات، وتجنّب افساح المجال لرئيس الجمهورية لترؤس اجتماعات مجلس الوزراء، واستفراد ميقاتي بادارة ملف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، واتخاذ قرارات ثنائية مع الوزراء ما كان ليتمكّن من اتخاذها بهذه السلاسة، وترؤس اللجان الوزارية وهي بمثابة حكومات مصغّرة تُتخذ فيها القرارات والاجراءات ضمن ما يسمح به الدستور، الى كل هذه الأسباب، أُضيف اليوم عامل جديد يتعلق بعلاقة لبنان مع اشقائه العرب في الخليج العربي.

وقد حرص ميقاتي ان يتخذ مواقف واضحة داعمة لعلاقات لبنان مع حكومات دول الخليج العربي، وعلى رأسها السعودية. لكنه تعرض دائما لانتقادات، وتلقى رسائل اعتراض من حزب الله. اليوم، اتجهت الامور نحو التصعيد اكثر. اذ من خلال متابعة قناة “المنار” التابعة لحزب الله يتبين بوضوح ان هناك حملة ممنهجة قوية ضد السعودية. صحيح ان الحزب لطالما عبّر عن عداوته للسعودية، لكنه هذه المرة ذهب بعيدا من خلال التركيز الاعلامي الدائم على هذا الملف، ومن خلال رعاية واستضافة المؤتمر الذي ضم معارضين للسعودية، وعقد في مناسبة اعدام الشيخ نمر باقر النمر. وقد تحوّل اللقاء الى مناسبة لمهاجمة السلطات السعودية، كما ان كلمة حزب الله التي ألقاها الشيخ هاشم صفي الدين، جاءت عنيفة وتصعيدية.

هذا الوضع الجديد، والذي لا يتوانى ميقاتي عن اتخاذ موقف علني معارض لحزب الله في توجهه هذا، بات يشكّل سببا اضافيا يشجّع رئيس الحكومة على عدم العودة الى اجتماعات مجلس الوزراء، لأنه في هذه الحالة سيكون مضطرا الى مناقشة هذا الملف وطلب اتخاذ موقف رسمي من قبل الحكومة. ومن البديهي ان حزب الله، وقسم من حلفائه لن يوافقوا على هذا التوجّه، وستصبح الحكومة امام معضلة اضافية قد تؤدّي الى تفجيرها. وبالتالي، وفي سياق تخفيف الاضرار، يعتقد ميقاتي وسواه، ان من الأجدى ابقاء الحكومة في حالة غيبوبة سريرية في الوقت الراهن، على المجازفة بسقوطها في حال انعقادها في هذا المناخ المتشنّج.

وقد تسبّب فشل انعقاد مؤتمر للحوار الوطني، دعا اليه رئيس الجمهورية ميشال عون، الى ترسيخ القناعة بأن الحكومة المشلولة ستبقى على هذا الوضع، وربما تستمر على هذه الحال، حتى اجراء الانتخابات النيابية.

ومن الواضح، ان رئيس الحكومة يدرك مخاطر الاستمرار بلا حكومة فاعلة في ظل الضغوطات المالية والاقتصادية والاجتماعية، والتي باتت تُنذر باحتمال الوصول الى التفلّت الأمني. وهذا ما يفسّر على الأرجح الاجراءات التي شجّع ميقاتي حاكم مصرف لبنان على اتخاذها عندما اقترب سعر صرف الدولار من عتبة الـ34 الف ليرة، وبدأ الشارع في الغليان، وانتشر مسلسل حرق الاطارات وقطع الطرقات.

وفي المعلومات، ان ميقاتي القلق من اخبار سمعها تفيد بأن هناك اطرافا سياسية ترغب في الوصول الى الفوضى، لتبرير منع حصول الانتخابات النيابية في موعدها، وان هذه الفوضى قد توصّل الى تفلّت أمني خطير لتبرير الغاء هذا الاستحقاق رغم الضغوطات الخارجية لاجرائه في موعده، تحرّك بسرعة واستدعى وزير المال وحاكم المركزي، واتفق معهما على تدابير تلجم مؤقتاً انطلاقة الدولار، لتخفيف الاحتقان، وقطع الطريق على احتمال تفجير الشارع وفق المخطط الذي شكّ ميقاتي في وجوده.

في النتيجة، هناك قناعة اليوم، بأن كل الاطراف المعنية بالوضع الحكومي بدأت تستسلم للأمر الواقع، والذي يقضي باستمرار الشلل الحكومي القائم، وان الجميع استداروا نحو التحضيرات للمواجهة الانتخابية، والتي ستؤدّي نتائجها الى حسم الكثير من الملفات العالقة اليوم. وهذا الحسم يراهن عليه كل الاطراف، القوى التي تتوقّع حصول تغييرات كبيرة في موازين القوى، والاطراف التي تؤمن بأنها قادرة على الاحتفاظ بغالبية مقاعدها، وبتثبيت موازين القوى القائمة حاليا.