لماذا تسعى الصين لتحويل جيبوتي إلى «سنغافورة أفريقيا»؟

الدولة الوحيدة التي تستضيف قواعد عسكرية أميركية وصينية.. وأصبحت موقعا للتنافس بين القوى العظمى

هال براندز
. هال براندز

هال براندز- (بلومبيرغ) ترجمة محرر السّهم

تلعب بعض الدول دورًا محوريًا في التنافس بين الولايات المتحدة والصين بناءً على حجمها ووزنها الاقتصادي، لكن جيبوتي، وهي دولة بحجم ولاية فيرمونت يبلغ عدد سكانها مليون شخص في القرن الأفريقي، لا يمكنها تأكيد هذا الادعاء.

يمكن أن تدعي جيبوتي أن لديها هذا التميز الفريد لكونها الدولة الوحيدة التي تستضيف القواعد العسكرية الأميركية والصينية، وقد أصبحت بهدوء موقعا للتنافس بين القوى العظمى، بسبب صراع النفوذ في القارة المتنازع عليها.

تسيطر جيبوتي على جغرافيا استراتيجية مميزة لأنها تقع على مفترق طرق مناطق حاسمة، ولديها موقعا عبر باب المندب – وهو مضيق على البحر الأحمر يمثل قناة ربما لـ 20٪ من التجارة العالمية – في شبه الجزيرة العربية والشرق الأوسط.

أصبحت جيبوتي بمثابة بوابة ليس فقط لإثيوبيا غير الساحلية، ولكن أيضًا لقارة أفريقية حيث تتخذ بكين خطوات استراتيجية كبيرة للتقارب مع مختلف البلدان الإفريقية.

كان مسار التدخل الصيني في إفريقيا خلال العقدين الماضيين ملحوظًا، حيث قفزت بكين قبل واشنطن كأكبر شريك تجاري لأفريقيا في عام 2009، ومولت القروض والاستثمارات الصينية برامج البنية التحتية في جميع أنحاء القارة.

وكجزء مما يسمى طريق الحرير الرقمي، تقوم بكين بتسويق تكنولوجيا المراقبة المتقدمة ومشاريع «المدن الآمنة».

شراكات اقتصادية

تتمتع شركة هواوي بموقع جيد في القارة الإفريقية، على الرغم من العقوبات الأميركية، حيث تقوم بمساعدة الدول في بناء شبكات 5G.

المعادن وموارد الطاقة الأفريقية تدعم الاقتصاد الصيني، وربما يومًا ما ستعزز البيانات الأفريقية خوارزميات الذكاء الاصطناعي الصينية.

.وفي حين أن الوجود الأميركي في إفريقيا يركز بشدة على مكافحة الإرهاب منذ 11 سبتمبر، فإن الجهود الصينية تقود النمو الاقتصادي في منطقة متعطشة للنمو.

ومع ذلك، لا ينتهي الأمر عند هذا الحد: إن إنشاء أول قاعدة خارجية للصين في جيبوتي في عام 2017، بعد سنوات من المشاركة الضخمة في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في إفريقيا، يُظهر أن القوة العسكرية لبكين تتبع نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي.

بالنسبة للصين، إفريقيا هي أشياء كثيرة في آن واحد: سوق ومصدر للمواد الخام، وجائزة في صراع عالمي من أجل التأثير الجغرافي الاقتصادي، ومصدر للدعم الدبلوماسي في المنتديات الدولية، وموقعا لإبراز القوة العسكرية إلى ما هو أبعد من شرق آسيا.

وبالتالي فإن القاعدة الصينية في جيبوتي التي تستضيف ما بين 1000 و2000 فرد، يمكن أن تصبح في نهاية المطاف جزءاً من نهج أكبر لكسب النفوذ هناك.

أقرض بنك الصين للاستيراد والتصدير 1.5 مليار دولار لمشاريع بارزة مثل تحديث مرافق الموانئ وبناء خط أنابيب مياه وخط سكة حديد قياسي لإثيوبيا، وتسيطر شركة صينية على حصة أقلية كبيرة في سلطة الموانئ في البلاد.

سنغافورة إفريقيا

يقوم قسم من Huawei ببناء كابل ألياف ضوئية تحت سطح البحر لنقل البيانات من جيبوتي إلى باكستان وخارجها، وغذت الأموال الصينية حلم الحكومة الجيبوتية باستخدام التنمية السريعة لجعل هذا البلد «سنغافورة إفريقيا»، كما تدعم شبكة المحسوبية التي يشرف عليها الرئيس إسماعيل عمر جيله.

وسمحت الصين لجيله بتكرار خدعة الحرب الباردة القديمة لاستخراج مكافآت من القوى المتنافسة، وفي عام 2014، استخدم جيله تهديد وجود قاعدة روسية في جيبوتي لرفع إيجار واشنطن لقاعدتها في كامب ليمونير، وهي منشأة استخدمتها الولايات المتحدة لما يقرب من عقدين من الزمن لإجراء عمليات مكافحة الإرهاب في إفريقيا والخليج العربي، ولكن بعد فترة وجيزة من جفاف الحبر، أبرم جيله صفقة منفصلة تسمح للصينيين ببناء «مرفق للدعم اللوجستي».

غالبًا ما بدت الولايات المتحدة بطيئة في ردها، وفي عام 2018، اتهم مستشار الأمن القومي جون بولتون بكين بمحاصرة الدول الأفريقية في علاقات استعمارية جديدة تعتمد على التبعية الاقتصادية.

وحذر بولتون من أن القادة الذين لم يدعموا واشنطن دبلوماسياً لا ينبغي أن يتوقعوا الكثير من المساعدات الأميركية.

ومع ذلك، فمن الصعب إقناع الدول التي يتزايد عدد سكانها بالتخلي عن الأموال الصينية والتي غالبًا ما يتم توظيفها لتلبية احتياجات التنمية الحقيقية.

حشد الدعم

لقد نجحت بكين في استخدام نفوذها الاقتصادي لحشد الدعم الأفريقي لنفوذ القيادة الصينية في المنظمات الدولية، وبينما انتقد المسؤولون الأفارقة التحذيرات الغربية بشأن «دبلوماسية فخ الديون الصينية»، سخر وزير مالية جيبوتي: «نحن ناضجون بما يكفي لنعرف بالضبط ما نفعله لبلدنا».

وعلى الرغم من أهمية الوجود العسكري الأميركي في جيبوتي، إلا أنه يبدو أنه عفا عليه الزمن إلى حد ما، فهو موجه في المقام الأول نحو الإرهاب، فيما تركز الصين على جهود التنمية.

هذا لا يعني أن جيبوتي ودول أفريقية أخرى تنزلق بشكل لا رجعة فيه إلى المجال الصيني، فمن المرجح أن ينظر الأفارقة إلى الولايات المتحدة على أنها نموذجهم السياسي والاقتصادي المفضل.

ويتزايد القلق بشأن الاقتراض المفرط من الصين، حتى مع انخفاض تمويل مبادرة الحزام والطريق بشكل حاد خلال عام 2020، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كان واقع هذا المشروع سيتوافق في النهاية مع الضجة المثارة بشأن المشروع.

استراتيجية هادفة

ستحتاج الولايات المتحدة إلى استراتيجية هادفة ودقيقة، حيث لا ينبغي أن تبالغ في رد الفعل وتحاول مضاهاة النشاط الصيني في كل مكان، وهو أمر ربما يكون غير ممكن وبالتأكيد ليس من الحكمة، وبدلاً من ذلك، ينبغي أن تستغل مزاياها الاستراتيجية الفريدة.

لا تزال الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون شركاء أمنيين، والملاذ الأول لجيبوتي ومعظم البلدان الأفريقية الأخرى، وهو وضع يجلب نفوذًا لا يتناسب مع حجم أي وجود عسكري.

ويمكن لواشنطن أيضًا إعطاء الأولوية لجلب استثمارات عالية الجودة وشفافة لقطاعات مختارة مثل الطاقة والخدمات، ربما بالتنسيق مع الديمقراطيات الأوروبية التي تشترك في الأهداف الاستراتيجية الأساسية لأميركا.

يمكن لدور أميركي أقوى في توزيع لقاحات كورونا على المستوى الدولي، أن يمنع الصين من الهيمنة في هذا المجال وجني النفوذ الدبلوماسي.

على أميركا العمل على تحسين قدرات الحكومات الأفريقية على التفاوض بفعالية مع بكين وتقييم مخاطر قبول الأموال الصينية.

يجب على الولايات المتحدة أن تبعث برسائل إيجابية تصور جيبوتي والقارة الأفريقية على أنهما أكثر من مجرد ساحة للتنافس.

خلال الحرب الباردة، كانت معاداة الشيوعية هي الدافع لما فعلته الولايات المتحدة في المناطق النامية، لكنها لم تكن الرسالة الصحيحة في التعامل مع البلدان التي لم تعتبر نفسها بيادق.

هذا درس واحد يستحق الاهتمام في المنافسة على جيبوتي والعديد من دول المواجهة الأخرى اليوم.

izmir escort - mersin escort - adana escort - antalya escort - escort istanbul