الانتخابات على الأبواب.. والتيار على الشبابيك

.

جيمي شاب نشيط في منتصف العشرينات من العمر. وهو أيضاً ناشط، ولكن بلا بطاقة، في التيار الحر. وذلك أباً عن أم. فالوالدان اللذان أورثاه هذه المفخرة كانا من أنصار الجنرال أيام القصر في أواخر الثمانينيات. ولا يزالان على عهدهما ووعدهما حتى اليوم، في عز دين عهده الرائع الذي لا يفوّت، والذي لن يتكرر ويأتي مثله على لبنان المسكين.

وكانت تربيتهما لولدهما تربية برتقالية صالحة. فقد وُلِد والملعقة البلاستيك البرتقالية في فمه. والكنزة البرتقالية تدفئ جسده الطري. تشحنه بطاقةٍ نقيةٍ من العنفوان باب أول. وكان عالَمه الصغير، وغرفته الصغيرة، والجدران المزينة بصوَر الجنرال، والستائر، والمناشف، والسرير، والألعاب، والأحذية، كلها قد اتّشحت بلون واحد طغى عليها بقوة. لون مبارك مقدّس، مستخرج من صدفة «الموريكس» البرتقالية ومن حقول الجَزَر الخصيبة الأبية.

ولطالما افترش الوالدان أيام الشباب والطيش والمصاحبة، عشب طريق بيت الشعب في بعبدا. تلك الطريق الملتوية بين أشجار الصنوبر والتي كان يقصدها المئات لا بل الآلاف من المواطنين اللبنانيين الأحرار. حيث كانوا يتقاطرون يومياً من مختلف المناطق الحرة -الحرة بفضل القوات كما هو معروف- وذلك دعماً للقائد المفدى، قبطان السفينة، وأيقونة لبنان.

كما انهم كانوا يجتمعون ليزرعوا أنفسهم هناك فيقيموا الطقوس الاحتفالية. وفي الوقت عينه، ليحموا بأجسادهم جسد قائدهم البار الجبار، المهدد يومها بشتى أنواع الاعتداءات من أعداء متربصين، غير محددين تماماً، ولكنهم غدارون دون شك. وكانوا يُعرفون من نوايا تهديداتهم بين أمنية وعسكرية، من البر او الجو، على شكل اجتياح او اغتيال او ما بينهما.

المهم، كانت ليالي تلك التجمعات صاخبة دوماً، ومفعمة بالوطنية والقشعريرة. ولطالما اخترق صوت الناشطَين (أبو جيمي وأم جيمي، اليوم) عنان السماء في سهرات النار آنذاك. يوم كانا يصدحان مع باقي الجموع، بأسمى أغاني العزة والشرف والكرامة. مثل انشودة «رح نبقى هون مهما العالم قالوا»، وقصيدة «عونك جايي من الله»، وتعويذة «مين غيرك هز المسمار يا قائد عون الجبار؟» وغيرها من مآثر غنائية وطنية جياشة صادقة، مهيّجة للرأي العام بشكل عام، ولكل طامح لعودة لبنان القوي الخالي من الميليشيات بشكل خاص. ذلك الوطن-الحلم الذي لا سلاح بيد أحد من أبنائه، ولا سلطة، ولا سطوة، الا عبر الجيش والشرعية.

نعود الى أيامنا هذه. فقد بدأت تلوح في سماء العائلة النموذجية مؤخراً، ملامح مشكلة مستحدثة. فقد بدأ الوالدان يشعران، ومنذ عامين او ثلاثة، بفتور همة حشيشة قلبهما البرتقالية تجاه تياره الحر. وأخذا يلمسان لمس اليد يوماً بعد يوم، عدم حماسته على المتابعة بنفس الزخم، والجدية، والالتزام، والانضباط.

فكّرا يومها في تغيير جامعته، ظناً منهما بأن أفراد وعناصر الخلية الطالبية المقابلة فيها، التابعة لميليشيا القوات، تمارس ضغوطاً نفسية وبروباغندا وربما سحراً أسوداً على عقول أبناء خلية ابنهما جيمي، التابعة لمحفل شرق ميرنا شالوحي.

أين جيمي اليوم من اطلالات القائد الوزير التلفزيونية؟ والتي كان يتابعها بشغف. كان يأكل الشاشة أكلاً. يحفظ كلامه المُنزل حرفياً عن ظهر قلب. يعيد مشاهدتها على يوتيوب. يتعلق بها كتعلق طفل بفيديو أغنية «بايبي شارك». وعندما يبتلعها ويتجشأ، كان ليقول لوالدته: ماما خلّصت، سَمْعي لي.

أين جيمي اليوم من المشاركات الفعلية مع الرفاق، عندما ينزل التيار على الأرض؟ هو الذي كان أول من يستلّ علمه الجديد عن ظهر الخزانة. ويهرع كالفارس المغوار ليتقدمهم بالمسيرات الجوالة، والتي كان يحشدها لهم الرفيق المناضل فاضل. فيخوض غمارها بفرح، في مواكب سيارة او سيراً على الأقدام، لا فرق. ركضاً زحفاً سباحةً دبدبةً، لا يهم.

أين جيمي اليوم من حضوره الكثيف ومشاركته بحلقات التثقيف السياسي التي كانت تقيمها الرفيقة المناضلة رندلى؟ والتي كان يحوز منها دائماً على تنويهات ممهورة بتوقيعها شخصياً. فكان يأتي بها الى البيت ويبرزها لوالديه بتفانٍ وغبطة، كدفتر العلامات، ومن ثم يُبَرْوِزها ويعلقها في غرفته.

بعد انتهاء فترة الجامعة وتخرّج جيمي الأكاديمي، ومع استمرار نزوات شذوذه السياسي. أخذ القلق يضرب أعصاب الوالدين أكثر وأكثر. فبدآ يكثران من مفاتحته الموضوع. وكان هو ليتهرب او يتجنب او يتذبذب او في مرات قليلة، يواجه.

في احدى المرات اقر بكل عين وقحة بأن التيار لم يعد كما كان. وبأن الكثير من رفاقه في التيار وخارجه يتحدثون عن فساد جدي يضرب صفوف قياديين فيه لا سيما في موضوع الطاقة، ووزارة الطاقة، والهدر الكبير، والبواخر، والفيول المغشوش، وما خلونا وهذه الترهات البغيضة المقيتة المغرضة، التي تحيكها السفارات وتلبسها عقول براعمنا البريئة الشريفة الطاهرة المطواعة.

كلام كبير. كلام أكبر منه. كلام كان ينزل على مسمع الوالدين كالصاعقة. أي صاعقة؟ صواعق. لدرجة انهما فكرا جدياً بحرمانه من مشاهدة برامج مارسيل غانم ورياض طوق ورياض قبيسي، وكل ما هو على هذه الشاكلة. ولكن عادا وتذكرا بأننا في عصر الانترنت والفضائيات ويوتيوب والشمس الساطعة والناس القاشعة.

فكانا يَخمُدان على مضض والحزن ينخرهما. وفي بعض الليالي كان يستفيق الزوج على انين بكاء زوجته. فيحضنها ويربت على كتفها. ويحضر لها من البراد كوب ليموناضة شغل البترون فترتوي وتستكين.

كان قلقهما المشترك واضحاً وصريحاً. لقد كان جيمي ابنهما الوحيد وأملهما الوحيد في الامتداد والاستمرارية السياسية في العائلة للأجيال القادمة. وبالتالي لم يَكُنا ليتصورا نفسيهما وقد انقطع نسلهما السياسي يوماً، وبهذه السرعة وهذه الطريقة.

تحولّت الشكوك لتتوجه نحو صديقته «المفحّلة» التي لم يحباها يوماً، والتي لربما تكون هي من أثر على عقله وتفكيره وسياسته. كانا يشكان دوماً بها على انها تابعة للقوات. ولربما تكون مدسوسة عن قصد، او تابعة لكتيبة سرية تعمل على سرقة عقول الشباب الأطهار وتقليبها. نعم لِمَ لا؟ فليس بعيداً على من كان يربط الناس بالأثقال ويرميها في البحر خلال الحرب، أن يلجأ خلال السلم الى هكذا أفعال مشينة ملتوية شريرة غدارة ميلشياتيه مقيتة. وفي إحدى المرات قالت الوالدة لزوجها جهاراً انها لا تريد ان ترى تلك الفتاة السيئة السمعة في بيتنا.

منذ يومين وجد الوالدان القلقان ابنهما الحبيب الوحيد جيمي قابعاً أما النافذة، محدقاً في الأفق البعيد والبحر والسماء فقالت له والدته:

– نعرف يا بني بأنك الآن مستغرق في حلم العودة الى مبادئك وتيارك وسياستك التي نشأت عليها، لتتمكن من تحقيق هدفك يوماً في بناء وطنٍ صالحٍ، تترسخ جذورنا به يوماً بعد يوم بالرغم من كل الصعوبات التي نعيشها اليوم، فنحقق ذلك بدعمنا لقادتنا، وبإعادة انتخاب نوابنا، وبإيصال قائدنا الوزير المفدى الى سدة الرئاسة، فنراه متربعاً على عرش الحق والحقيقة في قصر الشعب في بعبدا، فنفرح به ونهلل ونعيش أحلى عيشة. أليس هذا ما تحلم به الآن يا بني؟ قُل بصراحة.

هنا، يلتفت الصبي نحوهما بوقار وهدوء فيقول:

– الحقيقة يا أماه، ان كل ما أحلم به الآن ليس سوى تأشيرة هجرة، أمتطي بها أول طائرة، تاركاً لكما كل ما ترغبون من ليمون وزيتون ويانسون وصابون وكل ما تيسّر لكما شربه من ليموناضة البترون.

وأخذ الثلاثة يبكون ويضحكون.

izmir escort - mersin escort - adana escort - antalya escort - escort istanbul