الحكومة تقسّم المبادرة الخليجية: مُمكن وغير مُمكن

ترتفع في البيئة السنية اصوات تقول ان من الصحي اكثر ان تنتهي الاحادية

.

ملفان ساخنان يسيطران في هذه الاثناء على المشهد السياسي في البلد. الملف الاول يتعلق بخروج الرئيس سعد الحريري من الحياة السياسية، والملف الثاني يرتبط بالورقة التي حملها الى بيروت وزير الخارجية الكويتي، وهي تحمل في طياتها مبادرة باسم دول الخليج والمجتمع الدولي لاعادة ما انقطع من علاقات مع الدول الخليجية مقابل تعهد السلطات اللبنانية بتنفيذ مجموعة من المطالب والمسلمات الواردة في الورقة.

في موضوع خروج الحريري وتياره من المعترك السياسي، تسود البلبلة، في محاولة لاستشراف من هي الجهة او الجهات التي ستملأ الفراغ، واذا ما كانت البيئة السنية ستفرز زعامة جديدة ام سيتم فرز الشارع الى مجموعات، لا توجد ضمنها مجموعة طاغية. وقد بدأت ترتفع في البيئة السنية اصوات تقول ان من الصحي اكثر ان تنتهي الاحادية التي كانت سائدة في زمن الحريرية، لأن كل الطوائف الكبيرة الاخرى (الشيعة والمسيحيون) لديهم ثنائية في التمثيل.

وهناك احتمالات كثيرة بدأت تتظهّر، لعلّ أبرزها ما حذّر منه الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، من ان الفريق القريب من الخط الايراني سوف يحظى بحصة الاسد في عملية ملء هذا الفراغ. وبالتالي، هناك من يعتبر ان الوقت حان لاعادة ضخ الروح في اللقاء التشاوري الذي باتت حظوظه اكبر في الحصول على حصة اضافية في التمثيل السني، بما يدعم اكثر خط الممانعة الذي يقوده حزب الله في لبنان.

في المقابل، من الصعب الاعتقاد ان المملكة العربية السعودية التي كانت تمتلك دائما صوتا مرجّحا في البيئة السنية اللبنانية، ستقف متفرجة على محاولات الاستئثار بالصوت السني، لأنها بذلك تخسر قاعدة مهمة، لطالما كانت تتمتّع بنفوذ فيها عبر التاريخ. ومن هنا، لا يمكن استبعاد فرضية دخول السعودية على الخط، وربما بالتعاون مع افرقاء آخرين، في محاولة لقطع الطريق على الطامحين في إحداث تغيير جذري في المعادلة السنية. وقد تختار الرياض شخصية لديها حضورها، وجاهزة للعب دور في المشهد السياسي لدعمها وترجيح كفتها في الحصول على الحصة الاكبر في التمثيل السني، لكي تضمّن عدم هيمنة الفريق القريب من الخط الايراني على هذا التمثيل، لأن ذلك سيعتبر بمثابة نكسة للسياسة السعودية في لبنان.

في موازاة هذا الاضطراب الناتج عن التغييرات المحتملة في الساحة السنية، يبرز ملف علاقات لبنان مع دول الخليج العربي ضمن الاولويات المطروحة اليوم، من بوابة المبادرة التي حملها وزير الخارجية الكويتي الى المسؤولين اللبنانيين. وبانتظار الرد الرسمي اللبناني على الورقة التي تسلمتها بيروت، برزت معوقات يصعب تجاوزها. ومن الواضح، ان مضمون الورقة يتضمّن بنودا يمكن الالتزام بها وتنفيذها، وبنودا أخرى تبدو حاليا أكبر من قدرات الحكومة اللبنانية، وفي مقدمها القرار 1959.

بالنسبة الى الحكومة اللبنانية، يتخطى ملف سلاح حزب الله الحدود اللبنانية، والقرار في شأن مصير هذا السلاح لا يمكن ان يصدر في بيروت، بل يحتاج الى قرار اقليمي ودولي، والى تفاهمات لا قدرة للبنان على انجازها. وتعتبر الحكومة اللبنانية ان الدول الصديقة يُفترض ان تعرف هذا الواقع، وأن تطلب من اللبنانيين ما هو مقدور عليه. في المقابل، تأمل الحكومة اللبنانية ان تقدّم رداً مبرّراً على أصحاب المبادرة بحيث تقسّم البنود المطلبية الواردة في الورقة الى فئتين: فئة تضمّ التدابير التي تستطيع السلطات اللبنانية ان تنفذها بقرار ذاتي، ومن دون اثارة حساسيات داخلية تعرّض السلم الاهلي للخطر. وفئة تخرج عن قدرات اللبنانيين، وقرارها خارج الحدود، وهي ذات حساسية عالية يمكن ان تفجّر الوضع الداخلي في البلد، وتضرب الاهداف التي من أجلها أُطلقت المبادرة، اي عودة العلاقات الى طبيعتها بين لبنان ومحيطه العربي، سيما الخليجي منه.

هل يمكن ان تنجح خطة تقسيم المبادرة الى قسمين، وان توافق الدول المعنية على هذه المقاربة التي ستقدمها الحكومة اللبنانية؟

في التقديرات، ان الدول الخليجية وعلى رأسها السعودية لا ترغب، وليس لديها مصلحة في ترك لبنان لمصيره، لكن ذلك لا يمنع ان الضغوطات ستستمر، لأن المطلوب من الحكومة اللبنانية المزيد من الجهد والتصلّب في مواجهة انفلاش خط الممانعة في الساحة الداخلية. وسوف تستمر المراوحة في هذه المرحلة، بانتظار ما ستسفر عنه المفاوضات في فيينا مع الايرانيين، وبانتظار حجم التطور الذي ستشهده الاتصالات المباشرة بين طهران والرياض، والتي قد تؤدي، برأي بعض المراقبين، الى تطبيع العلاقات بين الدولتين. وفي هذا الوضع، قد يختلف المشهد قليلاً بالنسبة الى العلاقة مع لبنان.

في المحصلة، المرحلة مرحلة انتظارات اكثر مما هي مرحلة قرارات، وعندما تتضح الصورة اكثر دوليا واقليميا، سيكون من الاسهل التعاطي مع المبادرات القائمة في اتجاه لبنان.

izmir escort - mersin escort - adana escort - antalya escort - escort istanbul