شلل في القطاع الصحي الإيراني

.

نجمة بوزرغمر – «فايننشال تايمز» –

في حي فقير بمدينة أصفهان التاريخية، يكدح العمال ليل نهار لبناء مستشفى جديد، في وقت يكافح النظام الصحي في إيران لمعالجة العدد الكبير من المرضى، وسط تزايد الإصابات بفيروس «كورونا» المستجد.

يجري تسريع العمل في مستشفى أصفهان «إرام سنتر» الذي يتكون من سبعة طوابق ويضم 1000 سرير، بسبب التأثير المدمر للوباء، الذي سلط الضوء على سنوات من قلة الاستثمار، وعقود من الجمود في النظام الصحي، الذي تأثر بفعل العقوبات الأميركية.

المستشفى – وهو مؤسسة خاصة ضمن نظام صحي تهيمن عليه الدولة – جزء من نظام مدينة أصفهان للرعاية الصحية، وهو عبارة عن مجمع، مساحته 70 هكتاراً، سيكون أول مكان في إيران تُجرى فيه اختبارات الفيروس للمشتبه بإصابتهم، وهم داخل السيارة. ويقول رضا هبتي مدير العمليات: «سيكون لدينا نحو 300 سرير جاهز في النصف الأول من عام 2021 وسيتم تخصيصها لمرضى فيروس كورونا».

في الأسابيع الأخيرة، حذّرت السلطات من أن الطاقة الاستيعابية للمستشفيات تنفد مع ارتفاع عدد مرضى «كوفيد – 19» الذي أودى بحياة أكثر من 30 ألف شخص حتى الآن هذا العام، ما يجعل إيران واحدة من أكثر البلدان تضرراً في المنطقة. وأعلنت هذا الأسبوع عن أكبر عدد من الوفيات في 24 ساعة، منذ بدء الجائحة.

أصفهان واحدة من أكثر المدن تضرراً في البلاد. تقول الدكتوره طاهرة تشانغيز رئيسة جامعة أصفهان الطبية، المسؤولة عن معالجة المرضى في المقاطعة: «في الأشهر المقبلة، ستستوعب المستشفيات في مقاطعة أصفهان ما يصل إلى 2000 مريض، مقارنة بنحو 1200 مريض في وقت سابق من هذا العام». وتضيف: «موظفونا في المستشفيات يشعرون بإرهاق شديد، وهذه أكبر مشكلة تواجهنا».

طرق ملتوية

تهيمن الجامعات وصناديق التقاعد والمستشفيات التي يديرها الجيش الإيراني على نظام الرعاية الصحية في البلاد، ولا يمثل القطاع الخاص سوى %10 من إجمالي الرعاية. ويعتقد هبتي أنه «لو كان قطاع الدولة ساعد القطاع الخاص، لكنا في وضع أفضل في ظل الوباء. لم يقم القطاع الخاص ببناء أي مستشفى في أصفهان تقريباً بعد ثورة 1979». انفتح الاقتصاد الإيراني في أعقاب الاتفاق النووي المبرم عام 2015 مع القوى العالمية، لكن الولايات المتحدة انسحبت من الاتفاق عام 2018، وأعادت فرض العقوبات، ووجهت ضربة كبيرة لاقتصاد يعتمد على صادرات النفط.

واعتبر مسؤولون إيرانيون أن نقص دولارات التصدير أعاق جهود الرئيس الوسطي حسن روحاني لدعم قطاع الصحة أثناء تفشي الوباء. وتقول وزارة الصحة إن الحكومة خصصت حتى الآن %30 فقط من مبلغ المليار يورو الذي وعدت به من صندوق الثروة السيادية للبلاد، لمكافحة الفيروس.

وبينما لا تزال الشركات العالمية قادرة على بيع السلع الطبية للشركات الإيرانية، فإن العقوبات المفروضة على المعاملات المالية غالباً ما تدفعها الى طرق ملتوية، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار.

ويؤكد الناطق باسم وزارة الصحة كيانوش جهانبور أن «عدد الضحايا لدينا ربما كان أقل لولا العقوبات الأميركية، وربما كان العلاج أسرع. فالإدارة الأميركية مسؤولة بشكل مباشر عن هذا».

وترد الولايات المتحدة – التي فرضت هذا الشهر عقوبات على 18 مصرفاً إيرانياً – بأن النظام في طهران رفض العروض الأميركية لتقديم المساعدة، وأن العقوبات لا تُعيق المساعدات الإنسانية.

تفخر العيادات في أصفهان للرعاية الصحية بأنها تمتلك أحدث المعدات، فعيادات الأسنان تستخدم مجموعة أدوات من صنع شركة «سيمنز» الألمانية، جرى استيرادها في أعقاب الاتفاق النووي، وفي المختبر الرقمي يمكن تصنيع الأسنان الصناعية في غضون دقائق قليلة.

لكن المسؤولين في مجمع أصفهان يقولون إن العقوبات جعلت الحصول على المعدات أكثر صعوبة وأكثر تكلفة الآن.

وقال أحد المسؤولين في المجمع إن «قطعة الغيار للمعدات الألمانية التي كان سعرها 10 دولارات العام الماضي تكلف 200 دولار. والآن، لا نعرف أبداً متى ستصل قطعة الغيار التي قد نحتاجها، وبأي سعر».

الضربة الأخيرة

مسؤول آخر في المختبر بالمجمع نفسه ذكر أنه حتى مجموعات اختبارات السكر ليست متاحة دائماً. وأضاف أن «بعض المعدات مثل المضخات، في المعامل التي تفصل بين مكونات الدم بسرعة عالية، لها أغراض مزدوجة، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على استيرادها». وحول تأثير العقوبات، أفاد: «لا يزال بوسعنا شراء أحدث التقنيات في العالم من أوروبا أو الولايات المتحدة أو اليابان، ولكن بأسعار أعلى، وعلى مدى فترات أطول».

ويقول مسؤولون آخرون إنهم زادوا الإنتاج المحلي لتلبية الطلب، بما في ذلك أجهزة التهوية، التي كانت تستوردها إيران من الخارج.

ويمكن أن تلمس تأثير الجائحة خارج جدران مجمع الرعاية الصحية، فمدينة أصفهان – التي تعتبر مقصداً سياحياً منذ زمن طويل – لم يصبها الفيروس فحسب، بل الضربة الاقتصادية.

في ساحة نقش جهان الشاسعة، أحد مواقع التراث العالمي لليونيسكو، التي تضم مساجد مذهلة، يقول أصحاب المتاجر إن مزيج الوباء والعقوبات أصاب أعمالهم بالشلل. يوضح صاحب متجر للحرف اليدوية يبلغ من العمر 31 عاماً: «وجهت لنا جائحة كورونا الضربة الأخيرة. لقد قتلت روح المدينة، فلا تجد سوى عدد قليل من السياح الإيرانيين والأجانب في المدينة».

حتى الآن، على الأقل، ما زالت أعمال البناء مستمرة في المستشفى. وفي هذه الظروف الاقتصادية الصعبة، قال أحد مقاولي الرعاية الصحية في أصفهان إن تطوير الخدمات الصحية هو واجب وطني. واعتبر أن الإيرانيين «يكافحون ضد العقوبات الأميركية، والأهم ضد العقوبات المحلية، وأعني بها البيروقراطية التي تصيبنا بالشلل، وغياب الرؤية لدى القطاع الصحي الحكومي».

وأضاف أنه لا معنى للاستثمار في مجمع الرعاية الصحية، في ظل العائد القليل للاستثمار، لكننا ننظر للأمر من زاوية الالتزام الأخلاقي الذي نشعر به تجاه بلدنا.