المواجهة المقبلة على تخوم قصر بعبدا

المملكة تضع ثقلها في محاولة لتحضير الارضية لما بعد الانتخابات

.

كيف سيتعاطى المجتمع الدولي مع نتائج الانتخابات النيابية، طالما ان التوازنات السياسية لن تنقلب رأساً على عقب، بصرف النظر عن حجم الكتلة الجديدة التي ستدخل المجلس النيابي للاعوام 2022-2026؟

من الواضح حتى الآن، ورغم كل الكلام الذي يُقال في موضوع التغيير، ان القوى السياسية الكلاسيكية اثبتت انها لا تزال قوية ومتماسكة وستكون حصتها اساسية في موازين القوى الداخلية. صحيح ان البعض يراهن حصراً على مسألة الاكثرية، وما اذا كانت ستبقى مع محور الممانعة الذي يقوده عملياً حزب الله، لكن الصحيح أيضاً أنه في الحالتين، هناك واقع مرتبط بالوضع الاقليمي لا يمكن تجاوزه سوى من خلال التوافق الدولي-الاقليمي.

في كل الأحوال، ومن خلال الموقف السعودي المستجد، والذي يعكسه السفير السعودي في تحركاته على الساحة اللبنانية، يبدو واضحاً أن المملكة تضع ثقلها في هذه المواجهة، في محاولة لتحضير الأرضية لما بعد الانتخابات. وفيما تركّز الاطراف في الداخل على مسألة التوازنات بين القوى الكلاسيكية والقوى التغييرية، تنحصر جهود المملكة في التركيز على مسألة الحجم التمثيلي لحزب الله وحلفائه. وهذا ما يبرّر الانفتاح الذي أبداه السفير السعودي حيال قوى مستقلة، لا علاقة لها بشكل مباشر بقوى 14 آذار. وبالتالي، فإن الرياض لا تراهن على طرف واحد لتحقيق الفوز، بل تتعاطى مع ملف الانتخابات، على اساس ان كل مرشح ليس مع محور حزب الله، هو حليف افتراضي.

هذا الموقف ليس محصوراً بالسعودية، بل يمثل موقف دول الخليج العربي أولاً، وموقف المجتمع الدولي بشكل عام. ولذلك، وعندما أطلقت الكويت مبادرتها حيال لبنان، إنما جاء مضمون هذه المبادرة ليعكس الموقف الدولي من الأزمة اللبنانية. وهذا ما يفسّر ربما، أن هذه المبادرة، تضمّنت ما يشبه المطالب التي تجمع عليها الدول لجهة الاصلاحات المطلوب من بيروت انجازها. والامر نفسه ينطبق على البيانات السعودية-الفرنسية المشتركة، والتي تضمنت بنودا شبيهة بالبنود التي يطليها صندوق النقد الدولي لعقد اتفاق مع لبنان.

هذا التطابق في المواقف الاساسية حيال الأزمة في لبنان، يعني ان ما تقوم به السعودية اليوم، وبالتعاون الوثيق مع فرنسا، انما يمثل جهودا دولية، تتولى الدولتان الخليجية والاوروبية تنفيذها على الارض.
انطلاقا من هذا الواقع، ركّزت السعودية جهودها على مسألة تحفيز الشارع السنّي للاقتراع. وقد تبيّن للسفير السعودي عقب عودته الى بيروت، ان الامر يحتاج الى مجهود استثنائي، لتجاوز حائط الصدّ الذي تسبّب به موقف رئيس تيار المستقبل سعد الحريري. ومن خلال المؤشرات المتوفرة حتى الان، وقبل موعد الانتخابات بـ24 ساعة، يبدو ان السعودية نجحت في خرق السد المنيع، بحيث ان مناخ الحماسة للمشاركة في الاقتراع عاد جزئياً الى البيئة السنية. وقد اعتمد السفير السعودي استراتيجية مثلثة الأضلع لإنجاح مهمته:

أولاً – تغيير وجهة المعركة من كونها استطلاع في الشارع السني، من يدعم الحريري ومن يقف ضده، إلى مواجهة بين من يريد تسهيل سيطرة حزب الله على البلد ومن يريد أن يتصدّى لمنع الأمر.
ثانيا- إعادة الاعتبار إلى الشخصيات السنية المرشحة، بعدما كانت قد تمّت شيطنتها من قبل تيار المستقبل.
ثالثا- تشكيل قوة ضغط سياسية ودينية لتجييش أهل السنة للمشاركة في الاقتراع. وقد بدا ذلك واضحاً من خلال المواقف التي أطلقها مفتي الجمهورية، ومن ثم انسحب الامر على الخطب التي ألقيت في الجوامع أيام الجمعة.

هذه الاستراتيجية أتت ثمارها من حيث المبدأ، ولو ان النتائج الحاسمة لمدى النجاح لن تظهر قبل يوم غد الأحد في 15 ايار/مايو الجاري، وبعدما تكون قد أقفلت صناديق الاقتراع، وظهرت نسب المشاركة السنية.

وبانتظار هذا الموعد الوشيك، من الواضح أن السعودية، ومعها فرنسا، سوف تباشران تنفيذ ما اتفقتا عليه في شأن لبنان بعد مرور استحقاق الانتخابات النيابية، وسوف تكون المحطة الثانية انتخابات رئاسة الجمهورية. هذا الاستحقاق سيكون موضع المواجهة الجديدة على الساحة اللبنانية. وهو استحقاق أساسي قد يرسم مستقبل البلد للسنوات المقبلة. وحتى الآن، لا تظهر مؤشرات واضحة يمكن البناء عليها لقراءة الاتجاهات التي قد يسلكها هذا الملف. واذا كان هناك اجماع على ان رئاسة الجمهورية ليست مجرد صناعة محلية لبنانية، بل تدخل فيها الحسابات الاقليمية والدولية، فان الجمود الذي يعرقل تقدّم مفاوضات فيينا النووية، يرسّخ اكثر فأكثر الغموض الذي يكتنف الاستحقاق الرئاسي المقبل في لبنان.

izmir escort - mersin escort - adana escort - antalya escort - escort istanbul