الانتخابات النيابية.. في كوكب لبنان

.

المعروف عن شعب لبنان العظيم أنه مميّز في كل شيء. فهو المبتكر الخلوق المبدع المخترع المكتشف الغريب العجيب. وَيَحْكونك عن كوكب اليابان. وفي الواقع، اين منه كوكب لبنان. الفعل لنا والصيت لهم.

فَمِن الصفات الحسنة لهذا الشعب العظيم انه طيب القلب. شعب غريب الأطوار حيّر العلماء. فهو الوحيد في العالم الذي يحب من أفقره وأجاعه وأذله. وفي كل مرة يحاول إعادة تكوين السلطة التي تضغط على كاهله فيما يُعرف بالانتخابات -أجلّكم-، يتفاجأ بأنه: يه!! إنهم ذاتهم. لقد أعاد توليتهم على أموره مرة أخرى وأخرى، دون أن يدري. أو انه يدري أنه لا يدري، ولكن دون أن يدري. شيء من هذا القبيل. ركّبوها على ذوقكم. ألا نقول لكم انه حيّر ويحيّر العلماء؟!

ولتبرير كل ذلك، يتلقط الشعب اللبناني العظيم بمقولة: «ان الهر يحب خَنّاقه». حاملها وماشي على أساسها. يرطّب أجواءه بها. يقنع نفسه بتردادها مرة إثر مرة. وتصل معه الأمور أحياناً لدرجة التباهي بها. أي نعم!

وتُعتبر تلك المقولة أساساً بأنها من روائع وبدائع ونوادر وجواهر ودُرر ونفائس الإنتاج الفكري التراثي الشعبي القديم. بحيث أن علم النفس نفسه توصل اليها نفْسها تقريباً، ولكن في وقت متأخر نسبياً. فكان ذلك في مطلع سبعينيات القرن الماضي. وليست تلك المقولة سوى «متلازمة ستوكهولم» بشكل أو بآخر. إنها نفسها تقريباً، ولكن أنتم تحبون الأجانب!

وللتذكير السريع بأصل التسمية تلك، فقد حدث ان تمّت عملية سطو مسلح في أحد مصارف العاصمة السويدية ستوكهولم في العام 1973، استمرت حوالي أسبوع لسبب وجود رهائن مدنيين في العملية. وما كان من الرهائن لاحقاً الا ان بدأوا يُبدون تجاوبهم مع خاطفيهم، لا بل يؤيدون قضيتهم شيئاً فشيئاً، مروراً بالدفاع عنهم، وصولاً الى اعتناق مبادئهم. وقد صنّف العلم الحديث تلك الظاهرة بأنها مرض نفسي.

وبالعودة إلى الهر والخنّاق والشعب اللبناني العظيم والدولة المنظومة المافيا العصابة، فقد قامت تلك الدولة بأكبر عملية سطو مصرفي على أموال شعب بأكمله عبر التاريخ. بما فيها الأموال المتراكمة من مدخرات وتعب وإنتاج قامت بهم أجيال متعاقبة على مدى عشرات السنوات. فقد أباحت تلك الدولة المنظومة العصابة المافيا لنفسها استباحة كل شيء والسطو على كل المصارف الموجودة على أراضيها. وربما بالتنسيق معها ومع المصرف المركزي أيضاً. أنعِم وأكرِم. وقد حصلت عملية السطو تلك دون ضربة كف، وبدم بارد، وبشكل منسق منظم، وعن سابق تصور وتصميم، وفي وضح النهار، وعلى عينك يا تاجر، ودون أن يرف لها جفن، ودون حسيب، او رقيب، او وازع، او رادع، او قاموس، او ناموس، او قضاء، او قانون، او كتاب، او قرآن، او انجيل. وفي المقابل، الشعب الضحية المغلوب على أمره المسكين المعتّر الهر الذي يحب خنّاقه، يعيد تكوين العصابة ذاتها في الانتخابات.

حتى انه، وابتعاداً عن جريمة سطو الدولة لمدخرات شعب بأكمله في المصارف، هو ذاته الشعب العظيم يكره أن يُسرق بالضرائب والصفقات والهدر والسرقات التي تمارسها الدولة والحكام والوزراء والزعماء بشكل تقليدي شرعي منظم، على مر العصور، إلا.. إذا كان زعيمه مَن يسرق وينهب! فقط في هذه الحالة يقول: صحتين على قلبه. أي نعم! أو صحتين على منطقة معينة في القسم الأسفل من جسده، لا فرق.

تقول له: زعيمك بلع صندوق مالي بأكمله. صحتين. زعيمك بلع نصف العاصمة واستثمرها. صحتين. زعيمك استملك نصف عقارات بلدته ومن أين له هذا، وشغّلها لحسابه بحجة الانماء السياحي والتراثي، وربّحك ألف جميلة من كيسك لإعادة انتخابه، ووَصَلَت به الدعاية الانتخابية الى حد أنه قد يكون هو مَن أنشأ السور الفينيقي. والجواب أيضاً: صحتين على قلبه أو على أشياء أخرى.

يبقى البعض من الشعب اللبناني ينصح الباقين على مدى أربع سنوات بأن: لا تدعهم يشترونك في الانتخابات. لا تدعهم يشترون صوتك وضميرك وذمتك بحفنة من الدولارات، ولا حتى بأوراق المونوبولي الوطنية المتداولة حالياً. ويتشدق بذلك بكل بثقة. ينصحك ويُرشدك بحكمة ووقار. وفي يوم الانتخاب تراه أول من يبحث في بورصة الرشاوى والراشين من المرشحين ليجيّر صوته لهم في سوق النخاسة. ويكون التجيير من نصيب صاحب أقرب رقم يرضي متطلبات جيب المرتشي. فينعش جيبه وكيانه لأيام او أسابيع، قبل ان تذهب السَكرة من جديد وتأتي الفَكرة من جديد، ويعود معها الى النق من جديد، والى الفقه والتنسّك وإرشاد الآخرين من جديد.

لا مجال للتعميم في ذلك، لا سمح الله. ليس كل الشعب طبعاً من فئة مَن يُشترى ويباع ويتاجِر بصوته ومبادئه. ولكن بشكل عام، فإن الآفة حقيقية واقعية وموجودة. وقارئ هذه السطور يعرف ذلك جيداً. فهنالك من يؤدي واجبه الانتخابي كاملاً. ويكون نظيفاً، ويفعلها عن قناعة، وقِيَم، وأخلاق وطنية وحزبية، والى ما هنالك.

أما في الجهة المقابلة أي قِطاع المرشحين المتسابقين للبرلمان، فإن البعض او الأغلبية، لا سيما منهم ذلك الراشي بشراسة، المتعطش الطامح الطامع للفوز بمقعد نيابي بأي ثمن، على أساس انه يستثمر أمواله اليوم ليسترجعها بطريقة ما مستقبلاً، هؤلاء يفهمون رأس الناخب ويتعاطون معه على أنه بائع. يعرفون أوضاعه ويستغلونها. فيجيشون ماكيناتهم الانتخابية لتكون بمثابة صراف آلي. فيدفعون المال مباشرةً أكثر وأكثر كلما اقترب موعد الاستحقاق. فيلتقي الطرفان، الشاري والبائع وتتم العملية وفق معادلة ربح-ربح متبادلَين.

الانتخابات النيابية في لبنان غريبة عجيبة مسلية:

– تشبه المونديال بحماستها.
– قانونها يشرع الرشوة بطريقة ما.
– تجد فيها من «يحرَد» فيقاطع.
– تجد فيها أطرافاً يتقاذفون الشتائم طوال أربع سنين، ولكن في الانتخابات يتحالفون.
– تجد فيها مرشح ثورة -على أساس- ولكن يزرع لوحات إعلانية بمئات الآلاف من الدولارات.
– تجد فيها من كان في السلطة فيقفز من قطارها ليمتطي صهوة الثورة والثوار.
– تجد فيها اثنان أو أكثر من اللائحة نفسها يهبّجون بعضهم تهبيجاً.
– تجد فيها من يفوز بـ 120000 صوت الى جانب من يفوز بـ 70 صوتاً.
– تجد فيها من ينكش القبور ذاتها التي كان ينكشها وينكشها في الأيام العادية.
– تجد فيها من “يُبَكِّس” تحت الحزام طوال الوقت، ليس لأنه قصير القامة وحسب -لا تنمُّر- بل لأنه ربي وترعرع في مدرسة سياسية عمادها ذلك النهج.
– تجد فيها من يسرق ويبني ويمنن الشعب.
– تجد فيها من يعيد تسميع برنامجه الانتخابي ذاته في كل مرة.
– تجد فيها من ينسخ ويلصق برنامجه نقلاً عن غوغل.
– تجد فيها من يوزع بيض الفري على الناخبين ويدهن بيوتهم ويساعد صاحبة المنزل في الكنس والشطف ونشر الغسيل ونقل كيس النفايات الى الحاوية في الشارع.
– وهنالك من يغري ناخبيه بسندويشات شاورما دجاج ولحمة.
– وهنالك من يوزع قسائم شد وجه وبوتوكس وتسريحات واشتراكات نوادٍ رياضية.
– وهنالك من المرشحين ايضاً من يغيّر لك كولييه السيارة وجنزير الصدر والتربيعة.
– وهنالك من يغير لك زيت السيارة ويغسلها على العالي.

يا شعب اليابان العظيم، مهما فعلتم، انتخاباتنا أهضم!

izmir escort - mersin escort - adana escort - antalya escort - escort istanbul