صراع ثلاثي الأقطاب يغير موازين الشرق الأوسط

السعودية وتركيا وإيران يتنافسون على نفوذ المنطقة

صراع بين السعودية وتركيا وإيران على نفوذ المنطقة
. صراع بين السعودية وتركيا وإيران على نفوذ المنطقة

دافيد رودجر – السّهم

سلطت ورقة بحثية الضوء على صراع النفوذ في منطقة الشرق الأوسط الذي تحول إلى ساحة معارك بين أطراف عدة، فضلا عن التغييرات الكبيرة التي طرأت على المنطقة منذ أحداث ما يسمى بـ «الربيع العربي».

وتاريخياً، لطالما كان الشرق الأوسط ساحة المعارك بين حضارتين أو نظامين سياسيين أو قوتين رئيسيتين. تغيرت أسماء القوى ومراكزها على مر السنين، لكن ثنائية هذه المنطقة القطبية بقيت ثابتة منذ مقارعة الفراعنة لحضارة ما بين النهرين ومعارك الرومان وبيزنطة ضد الساسانيين، باستثناء فترات محدودة شهدت أنظمة حكم أحادية كحقبات الإسكندر المقدوني، والخلافة الإسلامية والإمبراطورية العثمانية.

وبالعودة إلى الورقة البحثية التي أعدتها مؤسسة فريدريش ناومان الألمانية، ففي التاريخ المعاصر وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، انقسمت المنطقة الى فريقين إبان حقبة الحرب الباردة، ومع اندلاع الثورة الإسلامية في إيران وتوقيع معاهدة السلام المصرية برز حلفين رئيسيين في الشرق الأوسط، الأول موالي للغرب وأميركا وآخر مناوئ له.

3 محاور رئيسية
ويسلط هذا البحث الضوء على تركيا الصاعدة بين محوري المنطقة الرئيسيين؛ محور الممانعة الذي تقوده إيران وأذرعها في كل من العراق وسوريا واليمن ولبنان، ومحور آخر تقوده المملكة العربية السعودية ومدعوم من قبل الغرب ومصر ودول الخليج العربي.

في معرض الحديث عن أقطاب الشرق الأوسط لا بد من الإتيان على ذكر إسرائيل، القوة العسكرية لكن المعزولة سياسياً وثقافياً عن محيطها، ولعل مساعي السلام في المنطقة قد تفضي يوما ما الى دمج الكيان العبري في الشرق العربي.

وفي سياق الصعود التركي، لا بد من تسليط الضوء على نقاط القوة التي تتصدر أنقرة من خلالها المشهد الإقليمي:
ووفقا لـ «فريدريش ناومان» فالاقتصاد التركي، وبالرغم من الركود الذي شهدته أنقرة مؤخراً وانخفاض قيمة عملتها، فإن تركيا تعد في المرتبة الثانية اقتصاديا في الشرق الأوسط بعد المملكة العربية السعودية، والـ 27 عالمياً.

وبمعزل عن حسن إدارتها لجائحة كورونا، تبدو تركيا متماسكة اقتصاديا بالرغم من تداعيات الفيروس على القطاع السياحي في البلاد وسائر القطاعات.

وفي هذا السياق لا بد من الإشارة الى أن السياحة والصناعة يشكلان عصب الاقتصاد في تركيا التي أعلنت عن اكتشافها لحقول غاز طبيعي في بحرها مؤخراً.

تركيا بلد شاسع جداً جغرافياً، أما ديموغرافياً فتتكون الكتلة السكانية التركية من 84 مليون مواطناً، وهي الثانية من حيث عدد السكان من بعد مصر.

وإستراتيجياً تعتبر مدينة اسطنبول عروس تركيا الجاذبة تجارياً واستثماريا وسياحياً.

الجيشان التركي والمصري

مخاوف من مواجهة عكسرية في المنطقة
مخاوف من مواجهة عسكرية في المنطقة

على الصعيد العسكري، يعتبر الجيش التركي الثاني شرق أوسطياً بعد الجيش المصري، والحادي عشر عالمياً بحسب مؤشر غلوبال فاير باور.

في سياق آخر، تشكل الصناعات العسكرية مصدر قوة لأنقرة، فناهيك عن المعدات والأسلحة الأساسية التي تصنعها بلاد الـ 84 مليون، تتميز أنقرة بصناعة الطائرات المسيرة كبيرقدار الشهيرة وأنقا.

ويتوسع نفوذ تركيا العسكري، بعد التمدد في دول عدة في الشرق الأوسط وأولها سوريا، وأيضا في ليبيا واجهت قوات الجنرال خليفة حفتر، وفي أذربيجان دعمت نظام علييف دبلوماسياً وعسكرياً فكان الإنتصار في معارك كاراباخ الأخيرة.

استعراض قوة
على جانب أخر، قامت البحرية التركية باستعراض قوتها عبر صولات وجولات لبارجاتها الحربية في شرقي المتوسط مما استفز الإتحاد الأوروبي لا سيما فرنسا، اليونان وقبرص ومصر.

بالإضافة الى تفوق تركيا اقتصاديا وعسكرياً، نجحت تركيا في توسيع تأثيرها في المنطقة عبر قواها الناعمة من خلال المنظمات الخيرية والثقافية التي أسست وافتتحت الكثير من المدارس والمستشفيات والمراكز الثقافية في عواصم عربية عدة، كما تقدم تركيا المنح الدراسية لطلاب عرب للتخصص في جامعاتها، ناهيك عن نشاطها إسلامياً من خلال بناء المساجد وتمويلها للمدارس الدينية ومعمّمين تابعين لها.

وفي النهاية تؤكد الورقة البحثية أنه لا شك بأن تركيا تشكل حالياً قطب محوري ووازن في الشرق الأوسط، لكن التساؤل حول مدى تمكن أنقرة من محافظتها على النفوذ الذي توصلت إليه ومنافسة كل من المملكة العربية السعودية وإيران يبقى الأبرز، فهل تعيد الأحداث السياسية المقبلة بأردوغان الى نقطة الصفر؟