١٦ أيار في لبنان: إثنين الباعوث.. أم بداية صَلبٍ جديد؟

لبنان في كوما ونريده أن يستيقظ من جديد.. الخرق بداية النجاح

.

أما وقد انتهت الانتخابات النيابية في لبنان التي وُصفت بأنها مفصلية وبأنها «ستغير وجه لبنان»، وبأن «من يربحها يربح البلد»، فماذا يمكن أن نستخلص من عبرها ودروسها. والأهم، من ربح ومن خسر؟ وماذا عمّن لم يُشارك أصلاً فيها أو قاطع الاقتراع؟ وهل انتخابات العام ٢٠٢٢ التي جرت آخر مراحلها أمس الأحد ١٥ أيار – مايو، هي الفاصل أم أنها محطة مهمة لكنها ليست الأساس في الاستحقاقات المقبلة؟ أسئلة كثيرة يسألها المواطنون اللبنانيون وربما معهم المسؤولون، إذ إن الآتي على البلد ليس كله محلياً بل إن استحقاقات خارجية ستؤثر بالضرورة على الداخل اللبناني. ولذلك يستوي في «الجهل بالآتي» المواطن والمسؤول على السواء.

في الحسابات الرقمية، ستصدر وزارة الداخلية الأرقام النهائية بالنتائج وأعداد المشاركين ونسب المشاركة الطائفية والمذهبية بشكل رسمي. أما في حسابات اللبنانيين، فإن البيدر يختلف عن الحقل.
الأحزاب التقليدية والجماعات التغييرية ترشحت في لوائح مختلفة وتصارعت في ما بينها، ونالت ما نالت، لكن هل سينال اللبنانيون ما يطمحون إليه في السنوات الأربع المقبلة وهي التي ستبني ربما لعقدين من السنين على الصعد السياسية والاقتصادية والمالية؟

في قراءة سريعة لكن حقيقية للمرحلة المقبلة، ينتظر اللبنانيون استحقاقات هائلة.
الاستحقاق الأول، هو تبيان ما إذا كان الشعب قد استوعب أن التغيير في الذهنية وإن كان بسيطاً ممكن التحقيق. بمعنى آخر، هل اقتنع الشعب اللبناني أن بإمكانه خرق لوائح «البوسطات» الطائفية والمذهبية والحزبية التي لا يمكن خرقها مثل حزب الله؟ وهل يقتنع المواطن المعترض على أداء الحزب وغيره، أنه يمكن أن يذهب إلى الجنوب أو بعلبك ويقول: «لا» للوائح المعلبة؟ وكما في المناطق الشيعية كذلك الحال في الجبل والشمال وبيروت والبقاع.

قالت لي إحدى السيدات اللواتي يؤمنّ بالتغيير أثناء كتابتي هذا المقال: «أنا أحلم بولادة لبنان الجديد. لبنان في كوما ونريده أن يستيقظ من جديد. نحن نقبل بالاستيقاظ التدريجي. نحلم بأن يعود لبنان منارة الشرق الأوسط كما حلم به، وعمل عليه الرئيس الشهيد رفيق الحريري».
لكن هل «الخرق» في لوائح الأحزاب التقليدية بالنسبة لبعض الناس الذين قرفوا من الأوضاع المزرية التي وصل إليها لبنان، هو إنجاز؟ يعتبر هؤلاء أن الخرق بداية النجاح. «صعود الدرج يكون درجة درجة. وكل شيء يُعمل بسرعة قد يذهب بسرعة. أما الذي يأخذ وقتاً فيترسخ». وماذا إذا بقيت أحزاب «المنظومة» المنظمة الحاكمة؟ عندئذ تجيب السيدة التي فضلت عدم ذكر اسمها: «سنغادر إلى كندا، أنا وزوجي الذي هو من غير ديني. فنحن لبنانيان من طائفتين مختلفتين ومن منطقتين مختلفتين لكن يجمعنا الحب، وحب لبنان».

الاستحقاق الثاني، هو تأكيد اتجاه لبنان نحو الإصلاح الحقيقي من عدمه. وهل بإمكان مجلس النواب الجديد ، التغيير الحقيقي، وهو (أي المجلس) الذي سيكون مكوناً من «بازل» معقد من أقصى يمين التغيير (إذا دخل تغييريون حقيقيون إليه) إلى أقصى يسار حزب الله، مروراً بإسلاميين سنة، وأعضاء أحزاب تقليدية من مختلف الاتجاهات. والإصلاح يريده الشعب الفقير ومتوسط الحال حتى الأغنياء، في بنية الدولة وعبر استعادة الدور الريادي المالي للبنان حتى يعود الجميع الى الانتظام في الحياة الاقتصادية الطبيعية أو القريبة من الطبيعية، ذلك أن طريق العودة بات صعباً خصوصاً في الفترة الزمنية القريبة المقبلة.

في هذا المجال، يبرز اتفاق لبنان مع صندوق النقد الدولي وبدء عملية الإصلاحات في الكهرباء والإدارات وما سمي «خطة التعافي» المالي والاقتصادي والاجتماعي. وماذا عن دور الغاز والنفط في موضوع تعافي لبنان وتطوره ودفع ديونه وتحسين الحوكمة المالية والإدارية باضطراد في المرحلة المقبلة؟

الاستحقاق الثالث، هو انتخاب الرئاسات الثلاث. أول انتخاب هو رئيس المجلس الجديد، هل هو الرئيس نبيه بري؟ (حكماً هو!) لأن الثنائي الشيعي ما زال ممسكاً ببقاء «الشيعي القوي» في الكرسي الثاني في الدولة. لكن هل سينعكس ذلك أيضاً على «السني القوي» في رئاسة الحكومة المقبلة التي تعتبر مستقيلة حكماً فور صدور نتائج الانتخابات النيابية الجديدة. وهل سيكون الرئيس سعد الحريري، الذي بدا غيابُه في انتخابات الأحد، أقوى من حضور كل المشاركين السنة، موجوداً على طاولة الاتفاقيات الكبرى الآتية حكماً إلى لبنان؟
وماذا عن الرئاسة الأولى؟ من سيكون الرئيس الجديد. هل هو جبران باسيل أو سليمان فرنجية أو شخصاً آخر؟ هل سيكون «قوياً» بقوة ميشال عون أو سيكون على غير مواصفات، بتقاطعات دولية وإقليمية ومحلية جديدة هذه الدورة؟

الاستحقاق الرابع والمهم، هو كيفية دخول لبنان مرحلة من «أخذ النفس» الدولي. هل سيتفق الأميركيون (والروس إذا انتصر بوتين في أوكرانيا) وفرنسا وإيران والعرب على إراحة لبنان في المرحلة المقبلة ليعود إلى استقراره الأمني والاقتصادي والمالي والمعيشي. وبالتالي يعود البلد شيئاً فشيئاً إلى لعب دوره الاقتصادي والسياحي وحتى السياسي القريب من العرب ، والذي لا يعادي أي دولة في العالم ماعدا عداءه الطبيعي لإسرائيل.

في الديانة المسيحية، يسمى يوم الإثنين الذي يلي أحد الفصح: «إثنين الباعوث» ما يرمز إلى انبعاث السيد المسيح وقيامته من بعد الموت. اللبنانيون صلبوا وماتوا منذ ١٩ تشرين (وقبله أيضاً). هل سيكون اليوم الإثنين، ١٦ أيار- مايو ٢٠٢٢ باعوثاً لهم، أم بداية لمرحلة صلب جديدة؟


izmir escort - mersin escort - adana escort - antalya escort - escort istanbul