المجلس النيابي الجديد.. «التغييريون» بيضة القبان

اللبنانيون في الخارج قوة لا يُستهان بها في المعادلة الانتخابية

.

مع انتهاء الانتخابات النيابية، وصدور النتائج الرسمية لتوزّع المقاعد بين القوى السياسية والقوى الجديدة التي دخلت البرلمان للمرة الاولى تحت مسمّى القوة التغييرية، يمكن رصد مجموعة من الحقائق التي سيُبنى عليها في المرحلة المقبلة، لتحديد المشهد الذي سيكون سائداً في لبنان. ومن أهم هذه الحقائق التي أفرزها اقتراع اللبنانيين، ما يلي:

اولا- دخل اللبنانيون في الخارج المعادلة الانتخابية من الباب العريض، وصار لزاماً منذ اليوم، اعتبار هؤلاء الناخبين قوة لا يُستهان بها في المعادلة الانتخابية. وقد جاءت الفروقات في «نوعية» التصويت، بين الداخل والخارج لتؤكد أنه لا يمكن احتساب توجهات الناخبين في الداخل، واعتبار انها عينة ستنطبق على توجهات الناخبين اللبنانيين الموزعين في دول الانتشار.

ثانيا- ان اللبنانيين اقترعوا عموماً وفقاً لثلاثة مفاهيم اساسية. المفهوم الاول يتعلق بقناعاتهم السياسية، وتصفية الحسابات مع الخصوم، وهؤلاء في العادة ينتمون إلى الاحزاب، او يناصرونها. المفهوم الثاني يتعلق بمعاقبة كل القوى السياسية الكلاسيكية، ودعم وصول وجوه جديدة تدخل البرلمان للمرة الاولى وتعكس الحركة الاحتجاجية التي سُجلت على المستوى الشعبي منذ 17 تشرين الاول/اكتوبر 2019. وهؤلاء ينطلقون بصفة خاصة من مبدأ مكافحة الفساد الذي تحميه السلطة السياسية. والمفهوم الثالث يتعلق بصراع المحاور، بحيث ان اقتراع فئة من اللبنانيين تمّ على اساس الاختيار بين دعم المحور الذي تمثله ايران مع حلفائها في لبنان، أو دعم المحور المقابل الذي تمثّل جانباً منه السعودية، ويدعو الى مواجهة ما يعتبره الامتداد الايراني في لبنان. وهذا الخيار بين المحورين اصبح تحت عنوان، دعم أو رفض، استمرار وجود سلاح حزب الله.

ثالثا- في الشارع المسيحي، افرزت الانتخابات واقعاً جديداً يجعل من حزب القوات اللبنانية قوة اساسية على مستوى التمثيل، في مواجهة التيار الوطني الحر، بصرف النظر عن احتساب عدد النواب الذي سترسو عليه كتلة كل من الحزبين في الايام القليلة المقبلة. وهذا الواقع يعكس تبدلاً في مزاج الناخب المسيحي حيال ملف سلاح حزب الله بشكل خاص.

رابعاً – في الشارع السني، تبين أن الناخب بشكل عام أعطى الاولوية للمواجهة مع حزب الله، وليس لتلبية رغبات رئيس تيار المستقبل سعد الحريري. صحيح ان المرشحين الذين اعتبروا من «المتمردين» على قرار الحريري لم ينجحوا في غالبيتهم، لكن الصحيح ايضا ان نسبة المشاركة السنية في الاقتراع كانت اكثر من مُرضية للجهات التي دعت إلى عدم المقاطعة، وعلى رأسها السعودية التي قام سفيرها في لبنان وليد البخاري بمجهود استثنائي لهذه الغاية.

خامسا – في الشارع الشيعي، كانت النتائج دون مستوى توقعات كلٍ من حزب الله وحركة امل. وجاءت الخروقات التي تمّ تسجيلها في ما يُعرف بالمناطق المغلقة حيث يمتلك الثنائي السيطرة على تمثيلها، ولو عبر المرشحين غير الشيعة، لتمثّل سابقة سوف تُقلق بلا شك قيادات الحزبين الشيعيين في المستقبل.

سادسا – على مستوى الشارع الدرزي، خرج الحزب الاشتراكي ووليد جنبلاط بأقل خسائر ممكنة، في موازاة الهزيمة التي مُني بها طلال ارسلان ووئام وهاب. لكن ذلك لا يمنع ان جنبلاط قد لا يكون مرتاحا كثيرا، بسبب ما يمكن اعتباره التغيير في مزاج الناخب المسيحي والدرزي في الجبل، والذي أتاح لمرشح يدخل الندوة البرلمانية للمرة الاولى، الحصول على عدد لافت ومعبّر من الاصوات.

بالاضافة الى هذه الحقائق التي أفرزتها الانتخابات، هناك واقع جديد في موازين القوى في المجلس النيابي الجديد. اذ ان حزب الله لم يعد يمتلك الاكثرية النيابية مع حلفائه. وفي المقابل، لم تنجح القوى «السيادية» في حصد الأكثرية. وبالتالي، اصبحت كتلة المستقلين والتغيريين، وبعضهم دخل المجلس النيابي للمرة الاولى، هي بيضة القبان في المعادلة. وهذا الواقع يمنح هذه الكتلة قوة استثنائية تفوق قوتها العددية. وبالتالي، ستكون القرارات في المجلس النيابي الجديد، خاضعة لهذا الواقع الذي قد يبني عليه المجتمع الدولي لتسهيل مساعدة لبنان. ومن خلال ردود الفعل الخارجية، وفي مقدمها المواقف الأميركية، يبدو واضحاً ان الدول الغربية مرتاحة للنتائج التي أفرتها الانتخابات النيابية، سواء لجهة انضمام كتلة من الوجوه الجديدة التغييرية الى البرلمان، أو لجهة خسارة حزب الله للأكثرية النيابية. كذلك فان النتائج اكثر من مُرضية بالنسبة الى دول الخليج العربي، التي قد تترسّخ «عودتها» إلى لبنان، في المرحلة المقبلة.

izmir escort - mersin escort - adana escort - antalya escort - escort istanbul