معركة رئاسة المجلس مناورة..ولا حكومة في الأفق

لا خيار امام النواب.. وسيبقى بري على رأس المجلس النيابي

.

تلوح في الافق عدة سيناريوهات تتعلق بالمسار الذي قد تتخذه التطورات في الايام المقبلة، ربطاً بنتائج الانتخابات النيابية، وما قد تفرزه من مواقف مستجدة في مواجهة مجموعة من الاستحقاقات المتوقّعة.

ولا شك في ان استحقاق رئاسة المجلس النيابي هو اول اختبار سيخضع له المجلس الجديد.

ومع ان رئيس حزب القوات اللبنانية سارع الى فتح المعركة معلناً منذ الآن انه لن ينتخب الرئيس نبيه بري لولاية جديدة. لكن هذا الموقف، لن يؤدّي بطبيعة الحال الى عرقلة التجديد لبري لولاية أخرى تمتد على اربع سنوات. ومن الواضح ان رفع السقف منذ الآن لا يستهدف فعلياً معركة رئاسة المجلس، بقدر ما هو تمهيد لاستحقاق اختيار رئيس الحكومة المقبل، وتركيبة الحكومة.

في هذا السياق، وبصرف النظر عن المواقف وعدد النواب الذين قد ينتخبون بري، فمن المؤكد ان لا خيار آخر فعلياً قائماً امام النواب، وسيبقى بري على رأس المجلس النيابي.

لكن السؤال الأبرز سيكون حول هوية رئيس الحكومة المقبل، وهل سيكون أشرف ريفي، على سبيل المثال،مطروحاً لتشكيل الحكومة المقبلة؟

هذا الاستحقاق سيشكّل اختبارا حقيقيا لتوجهات وطريقة عمل المجموعات القديمة والجديدة في المجلس النيابي. ومن خلال المؤشرات المتوفرة، قد تتجه كتلة المستقلين الذين دخلوا المجلس للمرة الاولى الى ترشيح اسم سيدة من الكتلة لتولي رئاسة الحكومة. وقد يدعم هذا الترشيح نواب حزب الكتائب. في المقابل، تحفظ رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع على اعطاء موقف من هوية رئيس الحكومة المقبل، الأمرالذي اثار تساؤلات، على اعتبار ان اللواء اشرف ريفي متحالف مع القوات، وقد حقق انتصارا واضحا في طرابلس، بما يؤهله نظريا لأن يطمح في الوصول الى سدة الرئاسة الثالثة. فلماذا لم يحسم جعجع موقفه ويعلن دعمه لحليفه ريفي؟

في القراءة السياسية لهذا الموقف، قد يكون السبب الرئيسي لهذا الغموض هو التريث للتفاوض على عدة اوراق من بينها رئاسة الحكومة. اذ ان الموضوع لا يرتبط حصراً بهوية رئيس الحكومة المقبل، بل يمتدّ الى طبيعة الحكومة التي ستُشكّل، والتوازنات في تشكيلتها. وهنا يعتقد البعض، ان كل فريق سيحاول ان يحصل على اكبر حصة وزارية ممكنة. وهذا ما يفسّر ربما موقف حزب القوات اللبنانية المتريّث، اذ يريد ان يبقي على كل الاحتمالات قائمة. لكن السؤال الأبرز في هذا السياق، وقبل الوصول الى الحديث عن استحقاق رئاسة الجمهورية، هل سيوافق الاطراف الاساسيون في المجلس على فكرة حكومة وحدة وطنية يتمثل فيها الجميع، ام سيصر البعض، على تشكيل حكومة من لون واحد، في حال نجحت مختلف الكتل المعارضة لحزب الله في توحيد صفوفها حيال هذا الموضوع؟

وهنا ايضا، تبدو الامور معقدة. اولا، لأنه يصعب توقّع حصول اتفاق بين كل القوى التي تدور خارج فلك حزب الله، على تشكيل حكومة اللون الواحد، خصوصا ان التمثيل الشيعي في حكومة مماثلة سيطرح اشكاليات خطيرة وحقيقية. اذ كيف وبمن يمكن تمثيل الشيعة، طالما ان الثنائي، حزب الله وحركة امل، قد احتكر كل المقاعد النيابية؟ ومن ثم يصعب التصديق انه يمكن تشكيل حكومة رغماً عن ارادة الثنائي الشيعي.

من خلال هذا الواقع، هناك من يعتقد، وقد يكون ذلك مرجّحاً، ان ملف تشكيل حكومة جديدة سيتعقّد، وقد يصل البلد الى موعد الاستحقاق الرئاسي من دون حكومة اصيلة، أي بالحكومة الحالية، وهي بطبيعة الحال، حكومة تصريف اعمال. كذلك سيكون مطروحاً احتمال تعطيل انتخابات رئاسة الجمهورية. ولن تكون هذه المواجهة اقل ضراوة من المواجهة الحكومية، وبالتالي ستكون هناك عدة احتمالات مطروحة، منها حصول فراغ رئاسي، مع حكومة تصريف اعمال عاجزة عن ممارسة مهامها بسبب القيود التي يضعها الدستور في مثل هذه الحالات.

هذا السيناريو المطروح، ليس الوحيد، بل هو قائم انطلاقا من المعطيات المتوفرة حاليا. لكن الوضع قد يتغير، خصوصا اذا دخل عامل الخارج على الخط، حيث ان الفرنسيين متحمسين لطرح مبادرات قد تساعد لبنان على تجاوز أزماته.

في الموازاة، لا بد من ان يؤخذ في الاعتبار الوضع الاقتصادي والمالي المنهار، اذ ان مخاطر التوترات، والتفلّت الأمني تصبح قائمة،  وستكون قدرة القوى الامنية على ضبط الوضع محدودة، خصوصا ان عناصر هذه القوى يعانون بدورهم من حالة مالية مزرية، بحيث تدنّت رواتبهم الى مستويات مقلقة.

هذا المشهد السوريالي، لا يشبه مشهد الارتياح الذي ساد عقب اعلان نتائج الانتخابات. وبالتالي، قد تكون المرحلة المقبلة صعبة ومعقدة، وقد تحمل مفاجآت غير سارة، تطمس ما أُنجز في الانتخابات النيابية. لكن كل هذه التقديرات تبقى في اطار التحليل، في حين ان مستقبل البلد لا يزال على غموضه غير البنّاء.