قطبة مخفية في مواقف نواب «التغيير»

معروفٌ مسبقاً أن التمسّك بالخط 29 يؤدي حتماً الى استمرار تجميد الوساطة

.

شكّلت الجولة الاولى من المفاوضات التي جرت بين الدولة اللبنانية والموفد الأميركي آموس هوكشتاين، الذي زار بيروت في مطلع الاسبوع بناء على دعوة السلطات اللبنانية لبحث ملف ترسيم الحدود البحرية مع العدو الاسرائيلي، مفاجأة سارة للبعض انطلاقاً من نقطتين:

أولاً- أن الموقف اللبناني الرسمي كان موحداً، وربما للمرة الاولى منذ انطلاق المفاوضات منذ سنوات، بما أعطى الأمل بأن حقوق البلد في ثروته مُصانة عبر وحدة الموقف.
ثانيا- أن الانطباع العام الذي تولّد، نتيجة ردة فعل الموفد الأميركي نفسه، الذي سينقل الموقف اللبناني الرسمي إلى تل أبيب للحصول منها على جواب حيال ما اقترحه اللبنانيون، هو أن المفاوضات أحرزت تقدما في مكانٍ ما، وان امكانية الوصول إلى اتفاق يتيح لبيروت البدء في استخراج الغاز والنفط، أصبحت أقرب الى الواقع من أي وقت مضى.

لكن، وبانتظار عودة هوكشتاين، وما سيحمله من تل أبيب، ليُبنى على الشيء مقتضاه، كان هناك تطوّر أثار تساؤلات لدى الكثيرين، يتعلق بالموقف الذي اتخذه نواب المجتمع المدني، وهم النواب الجدد في البرلمان. اذ عارض هؤلاء التوجّه الرسمي نحو اكتفاء لبنان بالخط 23، وطالبوا باعتماد الخط 29، واعتبار هذا الخط بمثابة حقوق للبنان في البحر، لا يمكن التخلي عنها. هذا الموقف أثار التساؤلات، واستدعى التحليل من قبل اكثر من طرف سياسي، انطلاقا من الوقائع التالية:

اولا- الموقف الأميركي معروف، وكذلك موقف العدو الاسرائيلي من طرح الـ29، وهو الرفض المطلق، ووقف التفاوض في حال الاصرار على هذه الحدود البحرية للبنان. وسبق لهوكشتاين أن أعلم المسؤولين اللبنانيين بهذا الأمر، وقال لهم بوضوح ان لا داعٍ لمواصلة وساطته، إلا اذا كان التفاوض مستنداً على اتفاق الاطار الذي تمّ التوافق حوله مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري. وبالتالي، كان معروفاً مسبقاً أن التمسّك بالخط 29 يؤدي حتماً الى استمرار تجميد الوساطة، بما يعني ان لا أمل في أن يستفيد لبنان من ثروته البحرية في المدى القريب.

ثانيا- ان كل القوى السياسية في لبنان، بما فيها طبعا حزب الله والذي يتهمه البعض بأنه صاحب مصلحة في عرقلة المفاوضات، لابقاء ملف الحدود البحرية قميص عثمان، كما هي حال الحدود البرية في نقطة مزارع شبعا، لاستمرار تبرير شرعية سلاحه لاسترداد الحقوق اللبنانية، توافقت على مبدأ اتفاق الاطار.
ثالثا- نواب «التغيير» الذين يمثلون المجتمع المدني ويعتبرهم البعض، عن صواب أو عن خطأ، مقرّبين من واشنطن، كانوا دون سواهم ضد التفاوض وفق الخط 23. وهناك أطراف سياسية في الداخل، تتهم النواب الجدد بأنهم نواب السفارات، في اشارة الى ان السفارة الاميركية في بيروت تدعمهم، وتراهن عليهم في التغيير. وقد دعم هذا الاعتقاد المواقف الاميركية العلنية حيال دعم نهج التغيير قبل الانتخابات.

كذلك كان لافتاً ان هوكشتاين الذي جاء الى بيروت بمهمة محددة ترتبط بملف ترسيم الحدود البحرية، وجد الوقت الكافي، للاجتماع بهؤلاء النواب دون سواهم خلال زيارته للبنان. في الموازاة، كان معروفاً مدى حماسة الاميركيين لانجاز ملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وفلسطين المحتلة. فهل تعمّد هؤلاء النواب الوقوف في وجه الطموحات الأميركية لايجاد حل سريع لهذه المشكلة الحدودية؟

هذه الوقائع زادت في منسوب الاستغراب حيال الموقف المتشدّد الذي اتخذه نواب المجتمع المدني. فما هي أهداف هذا الموقف، وهل من قطبة مخفية في هذا الموضوع؟
يصعب الجزم في تفسير ما جرى، لكن هناك عدة قراءات متناقضة في هذا السياق، يمكن ايراد أبرزها:
اولا- ان النواب الجدد ارادوا التمايز من خلال هذا الموقف، خصوصا انهم على دراية بأن موقفهم لن يقدّم أو يؤخّر في سير المفاوضات انطلاقا من اتفاق الاطار المتفق عليه، وبالتالي، اتخذوا هذا الموقف الذي يمكن ادراجه في اطار المناورة السياسية لكسب التأييد الشعبي.
ثانيا- ان هؤلاء النواب استشفوا وجود اتفاق ضمني مع ايران، ينفذه حزب الله لترسيم الحدود البحرية. وبالتالي، استفادوا من هذا الوضع لاحراج الحزب وتسليط الضوء على موقفه الملتبس حيال المواجهة مع العدو الاسرائيلي. وبالتالي، هذا الموقف لا يزعج الأميركيين، بل قد يريحهم، طالما انه ينال من سمعة حزب الله، ولا يعرقل في الوقت نفسه عملية ترسيم الحدود البحرية.
ثالثا- ان يكون موقف النواب نابع من قناعة ذاتية، بصرف النظر عن اي موقف آخر، ويستند الى موقف مبدئي حيال حقوق لبنان في حدوده البحرية.

في كل القراءات والتفسيرات هناك ثابتة أكيدة، وهي ان جولة المفاوضات الجديدة تبدو حظوظ النجاح فيها للوصول الى اتفاق، اكبر بكثير من الجولات السابقة. وتشعر السلطة بكل أركانها بالارتياح حيال هذا الوضع، بانتظار النتائج التي ستفضي اليها هذه المفاوضات.

izmir escort - mersin escort - adana escort - antalya escort - escort istanbul