لماذا تبقى الليرة بعيدة عن مستويات الـ«بوليفار» ؟

التضخّم في لبنان لم يبلغ مستويات الـHyperinflation التي قد تتعرض لها الدول المفلسة

.

بعد سنتين ونصف على الانهيار المالي والاقتصادي في لبنان، وبرغم ان السلطات المختصة لم تأخذ أي خطوة ولو خجولة في اتجاه البدء في الخروج من الأزمة، أو على الاقل في اتجاه وقف التدحرج نحو الهاوية، لا يزال المشهد اللبناني، ورغم انتشار الفقر، واضمحلال الطبقة الوسطى، مقبولاً إذا ما جرت مقارنته مع دول أخرى واجهت انهيارا ماليا شبيها. مع الاشارة هنا، إلى أن قلة من الدول عانت ما عانه لبنان، اذ يندر ان تكون هناك حالة مماثلة، حيث انهار النقد، وانهار القطاع المصرفي، واعلنت الدولة التوقف عن الدفع (افلاس)، وتبين ان معظم الخسائر النجمة عن الانهيار هي أموال اللبنانيين، بما يعني أن شطب الديون، كما تفعل الدول المنهارة عادة، هو بمثابة شطب لثروات اللبنانيين.

هذا الوضع الاستثنائي غير المسبوق في التاريخ الحديث على الأقل، لم يؤد الى انحدار شبيه بالانحدار الذي حصل في دول أخرى، مثل فنزويلا، على سبيل المثال لا الحصر. ونحن عندما نتحدث عن انهيار العملة اللبنانية، يتبين لنا ان الليرة تراجعت ولكن ليس بالشكل المرعب الذي تشهده دول أخرى منهارة. بمعنى أن الدولار كان يساوي 1500 ليرة قبل الأزمة، وأصبح اليوم يساوي اقل من 30 الف ليرة، أي انه ارتفع 20 ضعفا. لكن اذا شئنا المقارنة مع الوضع الفنزويللي، يتبين لنا ان الـ«بوليفار» تراجع مئات الاضعاف. وحتى اليوم، اضطرت السلطات الفنزويللية إلى شطب 14 صفراً من عملتها، ولا يزال الدولار الواحد يساوي ملايين من عملة البوليفار.

بمعنى آخر، البوليفار لا يساوي ثمن الورق والحبر المطبوع به. وقد أدرك الفنزويليون هذا الامر، واتجهوا مع الوقت نحو حصر التعامل بالدولار. وهكذا اختفت العملة الفنزويللية تقريبا، وحل مكانها الدولار.

هذا المشهد الفنزويللي، يمكن أن يساعد على تفهّم فكرة ان الليرة اللبنانية لم تصل الى الانهيار الكلي، وان التضخّم في لبنان، لم يبلغ مستويات الـHyperinflation التي قد تتعرض لها الدول المفلسة، والتي لا توجد فيها ادارة، ويسود الفساد في كل مكامنها.

من هنا، يمكن استخلاص النتائج التالية المرتبطة بالوضع اللبناني:

اولا- الانهيار الحاد الذي يعاني منه اللبنانيون اليوم لم يصل الى القعر كما يظن البعض، بل انه لا يزال بعيدا عن القعر، بما يعني ان احتمالات مضاعفة المآسي لا تزال قائمة، والاسوأ لم يصل بعد.

ثانيا- ان حجم التحويلات الخارجية من قبل اللبنانيين اصبحت تشكل حوالي 40 الى 45% من حجم الاقتصاد. هذه النسبة هي الأعلى في العالم وفق احصاءات المؤسسات الدولية المتخصصة. وهذا ما يفسّر انخفاض وتيرة نفاد العملات الصعبة من مصرف لبنان رغم اضطراره الى مواصلة بعض انواع الدعم، ومواصلة تدخله في سوق الصرف لدعم سعر الليرة.

ثالثا- ان نسبة العاملين الذين يتقاضون رواتب أو يحققون ارباحا بالفريش دولار مرتفعة هي الأخرى، وتشكل نسبة لافتة من مجموع عدد القوى العاملة.

رابعا- نسبة القوى اللبنانية العاملة في الخارج مرتفعة جدا، وهي الى ارتفاع منذ نشوب الأزمة. وهذا ما يفسر ربما زيادة حجم التحويلات بنسبة 8% في النصف الاول من العام 2022، مقارنة مع الفترة نفسها من العام 2021.

خامسا- ان قدرة الجذب السياحي، سواء بالنسبة الى اللبنانيين العاملين في الخارج، او بالنسبة الى السياح الجدد من الاردن والعراق ومصر، لا تزال تتحسّن، وتساهم بدورها في إدخال العملات الصعبة الى البلد.

كل هذه الحقائق تفسّر المشهد اللبناني المتناقض، والذي يصيب بالذهول الزوار الذين يأتون لزيارة لبنان، وفي مخيلتهم انهم قادمون الى بلد مفلس أهله فقراء، ووضعه مزرٍ، ليفاجأوا بمشهد آخر مختلف، حيث المقاهي والملاهي ومراكز التسلية والترفيه وحتى الفنادق، ممتلئة بالكامل، وحيث الاسعار عادت لترتفع لتبلغ مستويات قريبة من مستوياتها المرتفعة جدا قبل الانهيار.

هذه الوقائع تندرج في معظمها في اطار نقاط القوة التي يتمتع بها الواقع اللبناني، من دون أن يعني ذلك انها قادرة على حمايته من الانهيار المالي الاضافي، او حتى حماية الطبقة الوسطى من الانهيار والاضمحلال. ومع الوقت، سيسصبح الشرخ الاجتماعي أعمق وأشد خطورة. وكذلك سعر العملة الوطنية، والقدرات الشرائية للمواطنين الموجودين خارج دائرة الفريش دولار. وبالتالي، لا يستطيع البلد الاستمرار على هذا النمط الاقتصادي، ولو ان نقاط القوة التي يتمتع بها تجعل الانهيار بطيئا جدا. ولولا هذه الميزات، التي لا تمتلك السلطة أي فضل فيها، لكان الوضع اليوم اسوأ بكثير، ولكانت الليرة شبيهة بالبوليفار الفنزويللي، لا أكثر ولا أقل.

أخبار ذات صلة

izmir escort - mersin escort - adana escort - antalya escort - escort istanbul