بين تونس ولبنان…صندوق ووجع وسياسة

الوضع التونسي دقيق لكنه لا يزال يمتلك هامشا من القدرة على المناورة

.

تمر تونس في هذه الحقبة بمطبات خطيرة تنعكس تداعياتها بشكل مباشر على حياة التونسيين اولاً، وقد تمتد هذه التداعيات وفق المسار الذي ستتخذه التطورات، لتلامس مستقبل البلاد، ووجهتها في السنوات المقبلة. اذ ما سيحصل اليوم، سيكون بمثابة خارطة طريق يحدّد مصير تونس في خلال عقد أوعقدين مقبلين.

ولا شك في ان الخلط بين الوضعين السياسي والاقتصادي، يشكل التحدّي الأخطر بالنسبة الى التونسيين. وهو الفيروس الذي تعاني منه معظم دول العالم الثالث. ويختبر لبنان هذا «الفيروس» منذ سنوات طويلة. وقد أوصله الخلط بين السياسة والاقتصاد الى الانهيار الشامل. كما ان السياسة بمفهومها المصلحي هي التي تحول اليوم دون البدء في الخروج من الأزمة المالية والاقتصادية.

هذا «الفيروس» يضرب تونس حاليا بقوة. وكل المحاولات الجارية لتجاوز المأزق المالي والاقتصادي، تصطدم بالحسابات السياسية التي يضطر الرئيس التونسي ومعه الحكومة وفريق العمل المساعد الى أخذها في الحسبان قبل اتخاذ أي قرار أو تنفيذه لانجاز الاصلاحات المطلوبة للحصول على تمويل من صندوق النقد الدولي.

وقد جاءت زيارة جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الى تونس في 20 و21 حزيران/يونيو الجاري، لتؤكد ما هو مؤكّد، في ما خصّ الصعوبات التي تواجهها السلطة السياسية في البدء في تنفيذ الاصلاحات. ذلك ان الرئيس قيس سعيد الذي يحاول تخطي معارضة سياسية قوية للخطوات التي يقوم بها، ويستعد لمحطة اجراء استفتاء شعبي على الدستور في 25 تموز/ يوليو المقبل، لن يكون متحمساً لتنفيذ اي اجراء قد يزيد من منسوب الاعتراضات الشعبية. وهذه الوضعية شبيهة الى حد بعيد بما جرى في لبنان قبل الانتخابات النيابية، حيث سقطت كل محاولات تمرير قوانين اصلاحية مطلوبة، خوفا من ردود الفعل الشعبية وتأثيرها على نتائج الانتخابات.

وهكذا في عملية الاختيار بين اي اجراء موجع قد يؤدّي الى خسائر سياسية، وبين ترك الامور تسير كما هي، ولو أدّى ذلك الى تعميق الأزمة المالية والاقتصادية، اختار السياسيون المصلحة السياسية، وأجّلوا أي تدبير اصلاحي. المشهد نفسه يتكرر في تونس التي يعاني اقتصادها من مأزق صعب، جزء منه يرتبط بسياسة الدعم المتّبعة في البلاد منذ سنوات طويلة، والفائض في القطاع العام، والعجز المتراكم في الميزانية.

لكن في لغة الارقام، لا تزال تونس بعيدة عن المشهد اللبناني، اذ ان اقتصادها الذي يبحث عن حوالي 4 مليارات دولار من صندوق النقد لمعالجة الخلل في الموازنة، لا يزال بعيدا بعض الشيء عن الانهيار، كما حصل في لبنان. كما ان تركيبة الديون وحجمها تختلف عن الديون اللبنانية.

في أحدث الاحصاءات المتوفرة عن الوضع المالي في تونس تتبين الحقائق التالية:
اولا- وصل حجم الدين العام الى حوالي 34 مليار دولار، منه حوالي 13.4 مليار دولار قروض داخلية، مقابل حوالي 20.7 مليار دولار، قروض خارجية.
ثانيا- بلغ حجم الاقتصاد الكلي حوالي 45 مليار دولار، بما يعني ان نسبة الدين / الناتج المحلي (GDP) لا تزال ضمن المعايير المعقولة عالمياً (حوالي 82%).
ثالثا- تراجع سعر العملة الوطنية التونسية (الدينار) لا يزال تحت السيطرة، ولم يتجاوز الـ7% في خلال ستة اشهر. في حين هناك دول كثيرة، ومنها تركيا على سبيل المثال لا الحصر، واجهت نسب انهيار لعملتها اكبر بكثير، ولا يزال اقتصادها ينمو بنسبة مقبولة.
رابعا- بلغ حجم الاجور في القطاع العام من الناتج المحلي حوالي 15%. وهي نسبة مرتفعة وفق المعايير الاقتصادية العالمية، وهي تشكل أحد مكامن الخطر الحقيقي على النمو الاقتصادي. وبالمقارنة مع الوضع اللبناني، واذا احتسبنا الارقام قبل الانهيار يتبين ان كتلة الاجور في القطاع العام نسبة الى حجم الناتج المحلي وصلت الى حوالي 10 الى 12% فقط. لكن بعد انهيار الليرة أصبحت اليوم تشكل حوالي 3% فقط من حجم الاقتصاد.
خامسا- ساهمت تداعيات الحرب الروسية الاوكرانية في زيادة الضغط على الموازنة، حيث توقّع محافظ البنك المركزي التونسي مروان العباسي أن يرتفع عجز الميزانية التونسية إلى 9.7 في المائة هذا العام، مقارنة بتوقعات سابقة عند 6.7 في المائة.

هذه الوقائع والارقام تشير بوضوح الى ان الوضع التونسي دقيق لكنه لا يزال يمتلك هامشا من القدرة على المناورة. وبالتالي، فان السلطة السياسية التي تواجه معارضة عمالية ونقابية تمثلت بالاضراب العام الذي نفذه الاتحاد التونسي للشغل، لن يجازف بزيادة الضغوطات على الوضع السياسي الهش. خصوصا ان اتحادات العمال قوية في تونس، وقادرة على التأثير المباشر في الشارع التونسي.

وبالتالي، من المرجّح، ورغم الجهود التي يبذلها صندوق النقد في اتجاه الدفع نحو تسريع البدء في تنفيذ الاصلاحات الموجعة، ان يتم تأجيل «الوجع»، على الأقل الى ما بعد الاستفتاء على الدستور، وبعد ذلك، لكل حادث حديث.