بلد عجيب غريب لذيذ

.

اشتعلت وسائل الاعلام المرئية في لبنان مؤخراً، كما هي الحال أيضاً في مواقع التواصل الاجتماعي، بمحفّزات سياحية من كل العيارات والقياسات والأحجام. فعلى سبيل المثال، قامت ثلاث محطات تلفزيونية على الأقل بحشد ما أمكن من تقارير سياحية وبرامج تُعَرِّف العالم على مقدّرات بلدنا الجميل بين سياحة وتراث وآثار، وطبيعة، وخدمات، وضيافة، الخ.

وقد أطلقتها بالتزامن طبعاً مع حملة شنّتها وزارة السياحة هذا العام، لاستقطاب ما أمكن من سياح وأبناء بلد على حد سواء، بين مغتربين ومنتشرين وطافشين وهاشلين. وقد أتى ذلك في ظل محاولة استجلاب وجذب كل من سوّلته نفسه في الخارج قبض وصرف وحمل وتخزين واستسهال وبعزقة وتفريط العملات الصعبة، لا سيما الدولار الأميركي الفريش. فافترشت بالتعاون مع وكالات الدعاية والاعلان ما لذّ لها وطاب من لوحات إعلانية ضخمة عليها عبارة «أهلا بهالطلة» بحرف أجنبي للأجانب ربما، بدءاً من طريق المطار يا ماما، حيث حلّت مكان رموز وصوَر دينية وحزبية، وصولاً الى طرقات ضيقة فيها صوَر مرشحي الانتخابات النيابية التي ألمّت بنا.

وقد أعلنت الوزارة بشكل شبه صريح بأن أحد أهداف حملتها هو محاولة إرواء ظمأ البلاد المُلِحّ لتلك المادة الخضراء المنعشة، الحاملة صورة فرنكلين، في الظروف الجهنمية التي نمرّ بها جميعاً. وللذين لا يعلمون، فإننا نمرّ في ظروف منحوسة أبعدها الله عنكم وقد أطلقنا عليها عنوةً تسمية «زمن لبنان القوي»، وبتنا نتخبّط فيها كالمعاقَبين بأشغال شاقة بسبب جُرمٍ لم نرتكبه، ولا نعرف أسبابه وماهيته حتى الآن.

وأتت كمية التحفيز السياحي في التقارير التلفزيونية مرتفعة لدرجة انه حتى نحن سكان البلد هنا عندما شاهدناها، انما شعرنا برغبة جامحة بالسفر الى ذلك البلد الذي يتحدثون عنه.

فبين «هَبيبي.. كام تو ليبانون»(التي لطشها، او لِنَقُل استعارها اللبنانيون بِنِيَّة صافية من ناشطي دبي) و«أهلا بهالطلة» (الشعار الذي تفتّقت به عبقرية وزارة السياحة اللبنانية مشكورة) وجد المنتشر نفسه يتلقى صفعة حنين قاسية كادت تهرّ أضراسه، جعلته يخطط بلا كثير من التفكير، لسفرة من العمر غير شِكل، زيارة خاطفة للبلد الحبيب والأهل الأعزاء. فأخذ يجمع دولاراته ويحزم حقائبه ليحجّ سياحياً الى مسقط رأسه ومرقد عنزته، حيث يتجلى السحر بأبهى حلله، انطلاقاً من سحر طبيعته الرائعة في أعلى قممه وحقوله وروابيه، وصولاً الى ذلك السحر المستحدَث (الذي يتعطش لمشاهدته بأم العين) والمتمثل بتحويل حفنة من الدولارات الى رُزَمٍ سميكة من عملة مونوبولي وطنية منهَكة.

ومن بين الذين دبت النخوة في كيانهم واستشاط الحماس في عروقهم، ذلك الشاب المنتشر الطموح سامر (29 عاماً) والذي هاجر العام 2013 الى ولاية ماساشوستس الأميركية ولم يأتِ من حينها. ومن ثم انتقل الى ولاية ايوا كونها أسهل نُطقاً، وبحيث أن له فيها بعض الأقارب، مثل عمه أبو أنور داوخ الأمريكان، الذي يملك مصنعاً صغيراً للأدوات المنزلية الخفيفة. فأخذ يعمل معه ويبني مستقبله بهدوء وراحة بال، مقرراً عدم العودة.

الى أن تلقى سامر وعن طريق الصدفة، نداء استغاثة وزارة السياحة في لبنان. فقرر ان يأتي على طريقة سوبرمان. فخلع عنه ثوب الصمود أمام المغريات. وفضّل ان يأتي في السر ليفاجئ اهله وأصحابه في لبنان. فحجز على أقرب رحلة، للبقاء مدة أسبوعين. وحزم حقيبته وانطلق على بركة الله.

وصل به الطائر الميمون صبيحة ذلك النهار المشمس عن طريق أوروبا وكانت الرحلة تعجّ بالوافدين الفرحين على طريقة عَـ «هدير البوسطة». فَحَطَّ رِحالَهُا على مدرج مطار رفيق الحريري الدولي بانسيابية فائقة، كالزبدة على سطح صفيحٍ ساخن.

انتهت إجراءات المطار سريعاً. استغرقت حوالي ساعة ونصف الى ساعتين بسبب عطل عادي طارئ. وساعة إضافية بين انتظار ظهور الحقيبة وبين شراء بعض الهدايا. بعدما تذكّر ان اليد الفارغة مجويّة.

خرج سامر من باب المطار. فتنشق نسمة عليلة آتية من جهة كوستا برافا. شعر ببعض دوار البحر. ولكن قبل أن ينخّ ليقبّل الأرض، اصطاده أبو خالد وهو سائق سيارة أجرة عتيق في السبعين من العمر. له شاربا نسر أبيضان، مع بعض الصفرة في الوسط بسبب التدخين. اتفقا سريعاً على سعر التوصيلة.

دخل سامر حرم المرسيدس البيضاء المدعوكة وجلس في الأمام. بدأت رحلة الألف ميل الى فرن الشباك بسؤال من السائق:

– الاسم البركة.
– سامر.
– يا هلا. معك أبو خالد.

وسارع السائق الى تقديم بطاقة شخصية لفريسته الجديدة، تحمل اسمه وأرقاماً مشطوبة وبعضاً من بقع الزيت، قائلاً:

– شو ما بدك، شو ما بدك، احكيني. أوكي؟ شو ما بدك.

استغرب سامر لماذا كرّر أبو خالد «شو ما بدّك» ثلاث مرات. المهم وضع البطاقة في جيبه. وقبل ان ينظر من النافذة للاستمتاع بمناظر شوارع بلده الذي اشتاق اليها، عاجله أبو خالد بسؤال تقليدي متوقع:

– من وين مشرّف تخمين؟
– أميركا.
– ايوااااا.
– صح. من آيوا.

وبدأ يطرح عليه بعض الأسماء فيما إذا كان يعرف أصحابها، ولكن لم يتوفّق بأحد. المهم انتقل أبو خالد الى سؤال آخر:

– هل تنزعج من التدخين، استاذ؟
– أي. ما بدخّن.

شق أبو خالد نوافذ السيارة قليلاً وأشعل سيجارة وحرص على نفث دخانها عبر فتحة النافذة.

استمرت الرحلة زهاء نصف ساعة تعرّف خلالها سامر الى أبي خالد الصرّاف والصيرفي والمصرفي والمحلل السياسي والاقتصادي والمالي والخبير البيئي والجيولوجي والخبير في ترسيم الحدود البحرية والمرشد السياحي والروحي ومتعهد الحفلات والأعراس وخبير الأعشاب.. أعشاب شو ما بدّك.

وصلت المرسيدس ظهراً بتوقيت بيروت الى فرن الشباك حيث بيت أهل سامر، وذكريات طفولته والحنين. فشعر وكأن صدره يمتلئ بالغبطة والحبور.

وقف أمام المصعد العتيق الذي أكل من رجله شقفة في زمانه. كبس الزر. لا حياة لمن تنادي. وتذكر انه عندما غادر لبنان كانت الكهرباء مقطوعة أيضاً. صعد الى الرابع على الدرج مع الحقيبة والأكياس. وصل منهكاً. طرق الباب بيده وانتظر.

وكانت الفرحة. اللقاء بوالديه بهذه الطريقة كانت من أسعد أيام حياته. وهما لا يصدقان يقبلانه ويضمانه ويشمّانه.

بعدما هدأت احتفالية اللقاء قال لهما: «شوب فطيس».
فأخبراه عن التقنين على التقنين من كهرباء الاشتراك.
قال: «سآخذ دُشاً». قالت له أمه ان الماء مقطوعة ونحن بانتظار الصهريج يأتي بعد قليل.
قال: «سآكل لقمة اذاً». قالت له أنهم مقطوعون من الخبز بسبب أزمة أفران وطحين.

المهم، أجرى سامر اتصالاته مع أصدقائه ففرحوا وتواعدوا على اللقاء ليلاً في سهرة من العمر على الشاطئ كان صدف لحسن حظه ان تمكنوا من الحجز عليها من عشرة أيام.

وبالفعل كانت سهرة رائعة صاخبة تجلت فيها روعة لبنان السياحي الفريد من نوعه.

ولكثرة ما شرب سامر أعاده الرفاق الى البيت مطفياً. وكان الحي مطفياً. فصعد الدرج وكان مطفياً. وكان هاتفه الغبي مطفياً. فتخطى الطابق الرابع وبدأ يحكش بمفتاحه في باب جاره الملاكم في الخامس، الذي فتحه وعاجله بلكمة بقوة 40 مليار شمعة. نفس رقم ما صرفته وزارة الطاقة.

ولشدة الضربة ظن سامر بأن الكهرباء جاءت.