اللبناني الداهية في زمن الهستيريا

.

اللبناني الداهية في زمن الهستيريا

اللبناني داهية. يعرف كيف يتأقلم مع الظروف. كيفما ترميه يأتي واقفاً. وهو كطائر الفينيق الذي ان احترق يخرج من الرماد خلنج، ويعاود الكرة من جديد.

اننا لطالما اعتدنا على سماع تلك النغمة التي لربما كانت صحيحة في يوم من الأيام. لكنها بدأت تتحول مع الوقت الى أكذوبة او إشاعة او صيت فارغ. فاللبناني بدأ يستسلم هنا وهناك. يرفع العشرة تارةً. ويلوّح بالراية البيضاء، طوراً. لدرجة أن هنالك من وصل إلى مرحلة الرمي بنفسه مع عائلته في البحر على متن أول مركب مهاجر، كالهارب من سجن ألكاتراز الشهير.

وصلنا إلى زمنٍ صعبٍ بمكان، بدأ يبدّل بجبروته كل المفاهيم والتقاليد والمسلمات. فالكل أخذ يُجمِع مؤخراً على القول بأننا لم نمرّ بمثل الظروف الحالية منذ الحرب العالمية الأولى. هذا إذا ما استثنينا طبعاً بعض الأخوة العونيين الذين يعيشون حياة وردية دائمة. كيف لا، وهم الذين يملكون نظرة خاصة للأمور، وحتى أن عندهم مثلاً مصادر طاقة حصرية بِهِم حيرت العلماء. فهم يؤكدون بأنهم يرون النور من.. هونيك شغلة.

انه زمن جهنم يا سادة. زمن فيه مزجٌ بين القساوة والغرابة.

ولكن لنضع القساوة جانباً الآن ونتحدث قليلاً عن «الغرابة» .

– أوَلَيْسَ غريباً مثلاً ان ينتخب الشعب اللبناني العظيم للندوة البرلمانية، ثلاثة وزراء طاقة متّهَمين طبيعيين -الى ان يثبت العكس- بهدر المليارات، وبترسيخ العتمة، وبالشح في المياه، وبالفشل في بعض المشاريع المائية؟
– أمرٌ آخر. هل من الطبيعي أن تقيم وتنمو وتترعرع وتتسلط دولة رديفة في بطن الدولة الأم، فتتحكّم في قراراتها المفصلية وفي كل المفاصل، والتفاصيل، والفواصل، والفصول؟
– ألا تجدونه غريباً ان يعيد الشعب اللبناني العنيد انتخاب وزيرين رفضا الامتثال للقضاء في التحقيقات المتعلقة بكارثة تفجير مرفأ بيروت، وحتى انهما فازا لاحقاً بعضوية لجنة العدل في المجلس النيابي نفسه؟
– ألَيْسَ غريباً ان تتعطل او تتعرقل او تتأجل او تتباطأ التحقيقات في جريمة تفجير المرفأ؟
– ألَيْسَ غريباً ان نرى أفراداً من عماد الوطن في بذلتهم العسكرية التي نُجِلّ، وقد اعتمدوا شاحنات مدنية كوسيلة للنقل؟
– ألَيْسَ غريباً ان نعتاد على فكرة تقنين مزدوج في التيار الكهربائي بين الدولة والمولدات، فندعهم ينظمون مجريات حياتنا وتحركاتنا كيفما يشاؤون ويرتأون؟
– ألَيْسَ غريباً ألّا يستوعب المواطن مفهوم الدعم بعد، والذي يجب ان نتخلص منه، والذي بدأت تتخلى عنه الدولة تدريجياً، (وهو ينص على استفادة الجميع مادياً على ظهر البعض، وخاصةً حالياً على حساب المودعين في المصارف الذين أصبح ما تبقى من أموالهم العالقة، الحيلة والفتيلة بالنسبة لهم وللدولة ايضاً التي تغرف وتصرف وتتصرف بها على هواها)، فنرى المواطن يستغل الدعم بقدر ما يستطيع بأن ينتظر مثلاً ساعة الكهرباء المدعومة الآتية من الدولة ليشغّل فيها وفي الوقت عينه كلّاً من المكيف والسخان والقازان والغسالة والمكواة والبراد والفرن والتلفاز والمصابيح كما انه لا ينسى ان يشحن الهواتف بظهرهم؟
– ألَيْسَ غريباً ان يفوز منتخب الخمسة ملايين نسمة في كرة السلة على قارة الخمسة مليارات نسمة؟ ومن ضمنها دولة من عيار مليار وربع، ودولة مليار ونصف نسمة؟ وكاد أن يطيح معها بقارة أخرى بفارق نقطتين؟ (بالمناسبة، مبروك لمنتخبنا البطل!)
– ألَيْسَ غريباً أن يجري انتخاب ملكة جمال لبنان، وكل لبنان عارف النتيجة قبل ان يبدأ الحفل؟
– ألَيْسَ غريباً أن يكون موظف فئة أولى كحاكم المصرف المركزي، مطارَداً قضائياً منذ سنة، وهو يمارس عمله كالمعتاد، ويصدر التعاميم، ويضع التصاميم ويطبع الليرات ويقرض الدولة ويحوّل الأموال ويدير الأعمال وفوق كل ذلك لا يعثرون عليه؟؟!!
– ألَيْسَ غريباً ان تطلع فاتورة مشاوي وقعدة حلوة في أحد المطاعم لعائلة عربية سائحة من خمسة أشخاص 2000 دولار، فتدمع أعينهم من الفرحة ويقولون بدل «أهلا بهالطلة» : «اخت هالساعة»؟
– ألَيْسَ غريباً ان نعاني من تشكيلة من المصاعب والمصائب والأزمات دفعة واحدة: لا ماء لا كهرباء لا دواء لا استشفاء لا قمح لا طحين لا خبز لا بنزين لا مازوت لا فيول لا غاز لا محروقات لا أمن لا أمان لا ضمان لا شيخوخة لا مال لا ودائع لا مدخرات لا إفادات لا جوازات لا اتصالات لا خدمات لا خبر لا جفية لا حامض حلو لا شربت، ولكن في المقابل السياحة ولعانة؟
– ألَيْسَ غريباً ان يقول رئيس حزب وتيار وكتلة وتكتل، لا يكذب كثيراً عادةً، بأنه لا يهمه وصوله الى سدة الرئاسة الأولى، وهو الذي كان يحلم بالمنصب منذ تزوج، وبأن أياً من الحقائب الوزارية لا يهمه وهو الذي يسيطر على معظمها، وبأن وزارة الطاقة لا تهمه وهو الذي يتعربط بها مع فريقه لدرجة تعطيل البلاد في سبيل الاحتفاظ بها على مدى سنوات، وبأنه «ليس من هذه المنظومة»، ولكنه تبوّأ ثلاثة أنواع من الحقائب الوزارية على مدى سنوات في هذه المنظومة وشارك هو وفريقه في الحكومات وأقام معهم وعن طريقهم التحالفات والصفقات والقرارات وأعطى التعليمات وشارك في المخططات والدراسات والفذلكات وتغلغل في مراكز القرار والوزارات والإدارات والسفارات، وفي الأعوام الستة الأخيرة كاد يسكن القصر ويدير شؤون البلاد جهاراً لولا العيب والحياء؟
– أوَلَيْسَ غريباً ما قال أيضاً بأنه لم يكن على علم بتحركات قضائية معينة، وبأن من قام او قامت بتلك التحركات ليس او ليست من المقربين الى تياره أساساً؟
– ألَيْسَ غريباً ان يصبح سعر صرف الدولار ثلاثين ألفاً والكل يتفرّج؟
– ألَيْسَ غريباً أغلى أسعار اتصالات مقابل أسوأ خدمة؟
– ألَيْسَ غريباً ان يكون البلد رائعاً من فوق في عدسات الكاميرات الطائرة في الأفلام الوثائقية السياحية، وبشعاً من تحت في حقيقة حاله وأحواله؟
– ألَيْسَ غريباً ان تكون دوائرنا الرسمية خالية من الأوراق والطوابع والمطبوعات والأختام والأقلام والمحابر والقرطاسية ونبقى نعتبرها دولة؟
– أَلَيْسَ غريباً ان يستفيق القانون فجأة ويوقف مطراناً كان يفعل سابقاً ما أوقِف من أجله، وكما ان من سبقه في المنصب كان يفعل الشيء نفسه طوال الوقت؟
– ألَيْسَ غريباً ان تبقى خطة الكهرباء متعثرة لسنوات على أساس اننا بحاجة الى معامل جديدة وتغويز «وصلعاطا»، فيأتي أبو الكهرباء ليقول مؤخراً: اعطونا فيولاً بالمجان نعطِكم 10 ساعات تغذية، اعطونا فلوساً نعطِكم 20 ساعة، اعطونا اخضر نعطكم يابساً؟
– ألَيْسَ غريباً ان يحصل تنمّر وتحرّش وتنكيت وتجريح وشخصنة تحت قبة المجلس النيابي الموقر من قِبَل نواب رعاع بحق زميلتهم الجديدة، مثلما وكأنهم تلاميذ صف ابتدائي يمارسون لَهْوَهُم في فرصة الساعة العاشرة؟
– وأخيراً، أليس غريباً ان تحصل اغنية ميريام فارس على 8 مليارات ونصف مشاهدة حول العالم قبل أن أشاهدها أو حتى أسمع بها؟

اننا نعيش في بلد غريب نستغرب فيه الأمور كل يوم وفي كل الاتجاهات والمجالات. والأغرب أننا لا نفعل شيئاً غير محاولات التكيّف والتأقلم والاستغراب فنحترق لننبعث من جديد كطائر الفينيق.. وحِلّها إذا فيك.