لماذا تسأل فرنسا عن مواقف النواب الجدد؟

باريس تتحرك في الداخل اللبناني بحيوية في اطار الملف الرئاسي

.

كلما مرّ الوقت، تأكد المؤكّد، لا حكومة جديدة قبل الاستحقاق الرئاسي. وبعد بضعة ايام سوف يضمحل الحديث نهائياً في شأن تشكيل الحكومة، وينصرف الجميع الى متابعة استحقاق تشرين.

لكن ما يجري في الداخل حول هذا الموضوع، لا يبدو اساسياً في موازاة ما يجري في الخارج. وقد ظهرت عدة مؤشرات حتى الان، توحي في غالبيتها، بأن الدول المعنية بالملف اللبناني تعمل بحيوية استعداداً للملف الرئاسي. وفي هذا السياق، يمكن تسجيل المؤشرات التالية:
اولا- المواقف التي أعلنها رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، وفيها ما يشبه التنحّي عن السباق الرئاسي. وقد تأكد هذا الامر عقب الزيارة السرية التي قام باسيل بها الى العاصمة الفرنسية، حيث ان باريس، كما تفيد المعلومات، شجّعته على موقفه، انطلاقا من العقوبات الأميركية المفروضة عليه، والتي ستجعل قدرته على التحرّك دولياً، في حال وصوله الى بعبدا من رابع المستحيلات.
ثانيا- المفاوضات التي أجراها الرئيس الاميركي جو بايدن في السعودية، ورغم ان الهدف الرئيسي لزيارته كان ضمان ضخ النفط والغاز بكميات تكفي لخفض الاسعار، لكنه أصر على مناقشة الملف اللبناني، بما يؤكد ان واشنطن تعتبر نفسها معنية بهذا الملف بشكل مباشر، بما يعني انها ستكون لها كلمتها حكماً في الاستحقاق الرئاسي.
ثالثا- تحشد فرنسا الجهود من اجل الحرص على انتخاب رئيس للبنان ضمن المهلة الدستورية. وهي للغاية تجري اتصالات في كل الاتجاهات. وبالاضافة الى التواصل مع واشنطن، للبقاء في اجواء ما تفعله الادارة الاميركية حيال الاستحقاق الرئاسي في لبنان، تنفرد باريس باتصالات مباشرة مع طهران. وتفيد المعلومات ان قصر الاليزيه هو على تواصل دائم مع القيادة الايرانية، لمناقشة الوضع اللبناني. وربما هذا ما يفسّر الحذر الذي يبديه حزب الله حتى الان في دعم أي مرشح للرئاسة، على اعتبار أنه ينتظر نتيجة الاتصالات التي تجري مع طهران حول هذا الموضوع.

كذلك، حرص الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون على بحث الملف اللبناني مع رئيس دولة الامارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد، في خلال زيارته باريس، وهي اول زيارة خارجية يقوم بها عقب توليه رئاسة الدولة، بعد رحيل رئيس الامارات الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان. وهذا يؤكد على عمق العلاقات، وعلى الأهمية التي يوليها الشيخ محمد لعلاقات بلاده مع فرنسا.
وأخيراً، وليس آخراً، حرص ماكرون على تضمين جدول اعمال الزيارة المرتقبة لولي العهد السعودي سمو الأمير محمد بن سلمان الى باريس، الملف اللبناني. ومن البديهي ان البحث في هذا الملف، وفي هذا التوقيت سيتناول الاستحقاق الرئاسي.

في موازاة هذه المؤشرات، تصدر مواقف متعددة تركّز على ضرورة الحفاظ على الاستحقاق الرئاسي في موعده الدستوري، وتحاشي الدخول في الفراغ، كما حصل عقب انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشال سليمان.

ومن خلال هذه المؤشرات والاتصالات الخارجية، يبدو ان باريس تتولى عملية ترجمة رغبة المجتمع الدولي في تأمين الحد الأدنى من الاستقرار في لبنان. وبالتنسيق مع الاميركيين، تسعى باريس الى تأمين التوافق على شخصية معتدلة تتولى رئاسة الجمهورية في المرحلة المقبلة.

وفي المعلومات أيضاً، ان باريس تتحرك في الداخل اللبناني بحيوية في اطار الملف الرئاسي. ويبدو ان باريس، تحاول ان تعرف، من خلال دبلوماسييها، والموفدين الى بيروت، معرفة مواقف الاطراف الداخلية من الاستحقاق، خصوصا مواقف النواب الجدد الذين لم يتم اختبارهم بعد، وليس واضحا اذا كانوا سينجحون في تكوين موقف موحّد حيال انتخابات رئاسة الجمهورية ام لا. وتنقل اوساط سياسية مطلعة في بيروت، ان اسئلة الفرنسيين تتمحور حول موقف النواب الجدد (13 نائبا)، واذا ما كانوا سيدعمون مرشحا محددا للرئاسة، ام انهم يتجهون الى المقاطعة.

وتتخوف هذه الاوساط من ان يكون التركيز الفرنسي على هذه النقطة بالذات، يخبئ في طياته اتفاقا خارجيا على تسهيل انتخاب شخصية محسوبة على فريق 8 آذار. اذ ان مسالة تأمين 65 صوتا لهذا المرشح، في حال اتفق في الخارج على ذلك مُتاحة، لكن الرهان يبقى على تأمين النصاب القانوني، أي ثلثي اعضاء المجلس النيابي لعقد الجلسة، وهذا الامر يحتاج الى حشد اكبر قدر ممكن من النواب الموافقين على مبدأ المشاركة، وعدم مقاطعة الجلسة الانتخابية، حتى لو كان موقفهم غير داعم للمرشح الذي قد يفوز.

فهل أن الفرنسيين يسألون عن احتمال مقاطعة النواب الجدد لجلسة انتخاب الرئيس، انطلاقا من هذا الواقع فعلاً، ام هناك حسابات أخرى، لم يتم الكشف عنها بعد؟