هوكستين في بيروت: الزيارة المفصلية!

حزب الله يبث فيديو إحداثيات كاريش لكنه مع الترسيم

.

لم يعكّر وصول آموس هوكستين إلى بيروت، إلا سقوط جزء من إهراءات مرفأ بيروت الشاهدة على الانفجار الكبير الذي هزّ العاصمة في ٤ آب قبل عامين. حلول الذكرى الثانية لأكبر تفجير غير نووي في العالم، صادف انهيار الصومعتين، وصادف وصول هوكستين! والحدثان كانا متوقعين: سقوط الصوامع (تباعاً) بعد الحريق المستمر من جراء الغاز المتخمر من القمح الذي نخر حديد البناء المتهالك، ووصول هوكستين إلى بيروت لإبلاغ المسؤولين اللبنانيين بنتائج محادثاته في فلسطين المحتلة.

كان سبق وصول كبير مسؤولي الطاقة الأميركي تصريحات متفائلة إفتتحها وزير الخارجية اللبناني عبدالله بوحبيب الذي رأى «إمكانية الوصول إلى اتفاق مع إسرائيل عبر الوساطة الأميركية من أجل ترسيم الحدود». وزاد: «لم يسبق أن كان هناك تفاؤل بالقدر الموجود اليوم» . والأهم ما قاله رئيس مجلس النواب نبيه بري من أن هناك أخباراً مشجعة في موضوع الترسيم وأن الجواب الشافي يسمع من المبعوث الأميركي خلال زيارته لبنان.

وبالفعل، كان أول لقاء أجراه هوكستين في بيروت مع المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم مع ما يعنيه اللقاء مع هذا الرجل المتخصص في مواضيع الأمن والمفاوضات الشاقة – الناجحة، وصاحب العلاقات المتينة مع كافة الأطراف السياسية، بمن فيهم حزب الله. أيضاً بعد اللقاء تحدث اللواء عن تفاؤله بنتائج مهمة هوكستين ولكن «بحدود وحذر».

في مقابل التفاؤل اللبناني الرسمي، بقي الوسيط الأميركي صامتاً كعادته. وهو ما ظهر جلياً من خلال رده على أسئلة الصحافيين حين أعرب عن «فرحه بوجوده في لبنان» فقط لا غير! علماً أنه في مرات سابقة كان يختتم هوكستين زياراته بلقاء صحافي متلفز يوجز فيها مهمته وكان يدعو لبنان دائماً إلى «اغتنام الفرصة» ويقول: «التنقيب اليوم أفضل وإن كان لا يعبر عن كامل المطالب اللبنانية، أفضل من التنقيب بعد عشر سنين» و «لبنان بحاجة إلى غازه وطاقته والشعب اللبناني يستحق الحياة والكهرباء».

هذه المرة الموضوع مختلف. المسؤولون اللبنانيون كانوا موحدين في مطلبهم بالخط ٢٣ وبحقل قانا كاملاً وإلا «بلاه» كما عبر عنهم الرئيس نبيه بري. أما موقف حزب الله وهو طرف مهم في الموضوع، فقد استقبل هوكستين بنشر فيديو الإحداثيات الدقيقة عن حقل كاريش. وفي هذه الرسالة كلام من حزب الله مباشرة إلى الوسيط ومن خلفه إسرائيل بأن «يدنا على الزناد». فإما المطالب اللبنانية وإما الحرب في النهاية. رسالة الفيديو هي نوع آخر من الكلام الذي قاله مباشرة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بأن «المقاومة لن تفرّط بحقوق لبنان في البحر كما البر». ورغم الرسائل هذه، يرى متابعون للملف بأن هناك جانباً آخر يتعلق بحزب الله غير «الكلام الحربي» . فحزب الله عندما يقول إنه «خلف الدولة» في قرار الترسيم يعني أنه يترك الباب موارباً للحوار. ثانياً، إن أي قرار يتخذ في موضوع ترسيم الحدود البحرية التي ينتج عنها في النهاية استخراج غاز لإسرائيل وكذا للبنان، لا يكون دون رضى إيراني. وإيران هي الراعية الإقليمية لحزب الله كما هو معروف. وحزب الله الذي هو الحزب الأقوى في لبنان اليوم من حيث السلاح والصواريخ وأيضاً النفوذ، يريد أن يكون ترسيم الحدود مدخلاً لإعادة ضخ الحياة إلى بلد ضربه الجوع. وهذا عبر عنه السيد نصرالله صراحة في أكثر من خطاب عندما قال: «الحرب أشرف من الموت جوعاً» . أما الجانب الإسرائيلي فمن مصلحته الترسيم وتجنب الحرب على أبواب انتخاباته التشريعية في تشرين الأول المقبل.

إسرائيل تعرف الاستفادة من مصادر الطاقة والنفط لمواطنيها. كما أن الضغط الأوروبي للحصول على غاز كاريش يؤمن المباركة السياسية الأوروبية، والفرنسية خصوصاً، لاتفاق الترسيم العتيد. ومنصة كاريش الإسرائيلية جاهزة لتصير الغاز إلى أوروبا خلال الخريف.
ومن جهة لبنان، فإنه موقّع أصلاً في العام ٢٠١٨ لاتفاقية مع ائتلاف شركات توتال (الفرنسية) وإيني (الإيطالية) ونوفاتك (الروسية) لاستخراج الغاز من مياهه. يقول المراقبون إن المجتمع الدولي برئاسة الولايات المتحدة الأميركية إذا سمح لهذا الائتلاف بالعمل مجدداً، فإن لبنان يستطيع أن يعمل وربما ينتج الغاز خلال سنة. ومجرد بدء العمل في المنصات اللبنانية، فإن الوضع الائتماني للاقتصاد اللبناني سيكون «إيجابياً» وستعود المؤسسات الدولية إلى تأمين القروض وربما الهبات للمؤسسات اللبنانية. وتشير مصادر عليمة بهذا الملف إلى أن «مداخيل النفط والغاز مهمة، لكن الأهم هو الاستقرار» .

مجرد ترسيم الحدود هو استقرار وأمان للبنان، ولإسرائيل. هل تنجح «الصفقة» التي أتى بها هوكتسين من تل أبيب؟ لننتظر لقاءاته مع المسؤولين اللبنانيين أولاً، وننتظر تصريح هوكستين، الذي في بداية زياراته لبنان يتحدث «عن الطقس وجمال لبنان» ويترك الحديث في الأساس، إلى آخر ساعة. لا شك أن هذه الزيارة ستكون مفصلية. وما إطلاق المسيرات ونشر الفيديوهات إلا لزوم المفاوضات.

أخبار ذات صلة