غاز لبنان للانقاذ.. حلمٌ يقترب

دوافع وتقاطع مصالح تسمح بالاستنتاج بأن الاتفاق قد يتمّ قبل نهاية الصيف

.

الحدث الاقتصادي السياسي تمحور في بداية الاسبوع على ملف ترسيم الحدود البحرية مع العدو الاسرائيلي. ومن البديهي أن هذا الملف يكتسب أهمية استثنائية ربطاً بالثروة الغازية والنفطية الموجودة في البحر، والتي تتجمّع فيها الآبار الواعدة في المنطقة المتنازع عليها.

وبات واضحا اليوم، ان التركيز هو على الثروة الغازية اكثر من الثروة النفطية لاعتبارات عدة، ليس أقلها ان خزانات حوض البحر الابيض المتوسط تحتوي على كميات كبيرة من الغاز، مقابل كميات أقل من النفط. كما ان مادة الغاز اكتسبت أهمية اضافية في السنوات العشر الأخيرة، بسبب ارتفاع اسعارها قياساً بالارتفاعات التي سجّلها سعر النفط. وجاءت الأزمة الحالية الناتجة عن الحرب الروسية-الاوكرانية، لتجعل من الغاز مادة استراتيجية ذات أهمية قصوى، بالنسبة الى دول العالم، سيما دول الاتحاد الاوروبي.

ومن يتابع ما يجري في اوروبا على مستوى الاجراءات التي بدأت الحكومات اتخاذها لمواجهة هذه الأزمة المرتقبة، يدرك «سر» الاندفاعة الاميركية في اتجاه التوصّل الى تسوية في ملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وفلسطين المحتلة، في اسرع وقت ممكن، لاتاحة المجال للبدء في استخراج المزيد من كميات الغاز وتصديرها في اتجاه اوروبا مع بداية الشتاء.

هذا الواقع، وبصرف النظر عمّا قيل، في شأن اجواء التفاؤل السائدة في بعبدا ولدى الوسيط الأميركي أموس هوكشتاين، تعني وجود دوافع لدى كل الاطراف، وتقاطع مصالح، تسمح بالاستنتاج بأن الاتفاق النهائي على الترسيم قد يتمّ فعلا قبل نهاية الصيف. وقد ذهب البعض الى الادعاء بأن فريق رئيس الجمهورية يشيّع اجواء ايجابية عن سابق تصور وتصميم، وان هذه الاجواء لا تعكس الحقيقة، وان الترسيم لا يزال معقدا وقد لا يتم عمّا قريب. لكن هذه المواقف لا تستند الى معطيات واقعية، اذ أن المُعطى الذي لا يمكن انكاره، يتعلق بوجود قرار دولي أميركي-اوروبي بانجاز هذا الملف.

في كل الاحوال، وبانتظار الرد الاسرائيلي المقبل، بعدما رفض لبنان الرسمي الطرح الذي جاء به هوكشتاين لجهة موافقة تل أبيب على حصول لبنان على كامل حقل قانا، مقابل حصول اسرائيل على جزء من البلوك رقم 8، لا بد من التركيز على المكاسب التي سيحققها لبنان جراء انجاز الترسيم، في هذا التوقيت. والسؤال، هل ان الثروة الغازية يمكن ان تشكل بداية الحل للخروج من أزمة الانهيار المالي والاقتصادي القائم؟

في قراءة لحجم الثروة الغازية المقدّرة في المياه اللبنانية، ولتوقيت بدء استخراج الغاز، يمكن إدراج النقاط التالية:

اولا- ان توقيت بدء استخراج الغاز يوازي بأهميته حجم الثروة الموجودة. ذلك ان الوضع قبل الحرب الروسية-الاوكرانية، كان يوحي بأن هذه الثروة قد تفقد جدواها الاقتصادية، خصوصا بعد ربط دول المنطقة ببعضها غازياً، وبقاء لبنان خارج هذا «التحالف». لكن، ومع ارتفاع اسعار الغاز عالمياً الى مستويات غير مسبوقة، ومع التقديرات باستمرار هذا الارتفاع في السنوات الثلاث المقبلة على الأقل، ومع التوجّه الاوروبي نحو الاستغناء التدريجي عن الغاز الروسي في العقد المقبل، أصبح لبنان قادرا على الافادة من هذه الثروة.

ثانيا- رغم صعوبة تقدير حجم الثروة الغازية، والتي زادت قيمتها بطبيعة الحال، بسبب ارتفاع الاسعار، إلا أن المؤشرات التي تستند إلى الدراسات والمسوحات التي أجريت حتى الان، تؤكد أن هذه الثروة قد لا تقل عن 400 الى 500 مليار دولار. وهذا المبلغ سيكون مقسما على عدة عقود الى الامام.

ثالثا- اذا تمّ انجاز الترسيم، وبدأت عمليات التنقيب والاستخراج، قد يتمكّن لبنان من البدء في الافادة المباشرة من ثروته في غضون 4 سنوات. ولكن الانعكاسات المالية الايجابية قد تبدأ منذ العام الثاني، أي بمجرد العثور على الغاز وبدء العمل على استخراجه.

رابعا- ان سياسة التأني التي اعتمدت حتى الان في التلزيم والتنقيب ينبغي أن يُستعاض عنها بسياسة التلزيم الجماعي لكل البلوكات الموجودة في المياه اللبنانية. هذا الامر من شأنه ان يسرّع ويكثّف القدرة على الانتاج، بحيث ان التقديرات الاولية تشير الى ان الواردات التي قد تدخل الى الخزينة سترتفع تدريجيا، وقد تتراوح بين 6 و7 مليار دولار سنويا، عندما سيصل الانتاج الى الذروة.

هذا الواقع يعني ان الفرصة ستكون مُتاحة امام لبنان لتحسين وضعه المالي بسرعة قياسية، خصوصا اذا تزامن هذا الامر مع عقد اتفاق مع صندوق النقد الدولي، بما يعني تنفيذ الاصلاحات المطلوبة، وبما يعني عودة الانتظام الى المالية العامة.

انها فرصة حقيقية للبلد لتحقيق ما كان سيعجز عن تحقيقه من دون هذه الثروة. فهل سيتحقّق الحلم، ام سنواجه مفاجآت غير سارة تطيح كل هذه الاحلام؟