عامان على الجريمة.. مسار تصاعدي ضد العدالة واظهار الحقيقة

١٧ موقوفاً حصيلة ما رست عليه العدالة الحاضعة لموازين القوى

.

في الرابع من آب تراكم كل فساد الدولة اللبنانية واداراتها ومؤسساتها وانفجر في العنبر ١٢ من مرفأ بيروت. تراكمت كل المحطات السوداء في التاريخ اللبناني لتجتمع في كارثة تخطت الوصف في عالم الكوارث والأزمات والحروب اللبنانية. انفجارات وليس انفجارا واحدا في الرابع من آب. عند الساعة ٦ و ٧ دقائق من ذلك اليوم المشؤوم اعتقد كل مواطن أن انفجارا ضرب منزله أو مؤسسته أو محله وحيه وشارعه وسيارته. ومن بين الركام والدمار خرج الضحايا الأحياء من كابوسهم ليجدوا أن وجه بيروت ولبنان تلطخ بالدماء والأشلاء والجثث. ٢٣٢ ضحية سقطوا غدرا وهم يجلسون آمنين في منازلهم أو يعملون من أجل رزقهم او يستريحون بعد يوم طويل من العمل في هذا الوطن. الغدر طاول من سارع الى اطفاء حريق في عنبر كان يحمل اكبر القنابل الموقوتة على عقرب فساد لم يتوقف في لبنان. في تلك الدقيقة التي تحولت فيها بيروت الى عاصمة منكوبة بواحد من اكبر الانفجارات قوة في العالم أكثر من ٦٠٠٠ جريح واكثر من ٦٠٠٠ قصة اليمة وثقوا في ذاكرتهم وجسدهم أبشع اللحظات. منازل ومبان ومحلات ومؤسسات تهدمت وسقطت فوق قاطنيها وساكنيها وسقطت أحلام ودموع كثيرة معها. سيارات استهدفها عصف الانفجار مع سائقيها والعائلات الآمنة فتحولت الطرقات والمباني والسيارات الى مقابر جماعية لأبرياء. من عاش تلك اللحظة لن ينسى الجثث المنتشرة في الطرقات والسيارات والأحياء ولن ينسى كيف حمل المواطنون جرحاهم وجراحهم ليجدوا سيارة تقلهم ويصلوا إلى مستشفيات لم تنل رحمة انفجار قاتل لم يحترم أبسط قواعد الحروب الانسانية.

عامان لم ينجحا في اسقاط لحظات الموت والرعب من وجدان جريح وناج وعائلة ضحية. عامان لم يتمكنا من محو حقيقة كارثية بأن ٢٧٥٠ طن من النيترات امونيوم كانت مخزنة مع مواد مشتعلة وفتائل في عنبر الموت في مرفأ مدني بين أحياء مدنية آمنة، وبأن أغلب أجهزة ومؤسسات وادارات الدولة المعنية كانت من خلال مراسلاتها على علم بوجود هذه المادة ولم ينجح واحد في ابعاد خطرها عن عاصمة ومدينة تستحق الحياة.

الأسوأ من لحظة انفجار الرابع من آب وضحاياه الأبرياء أن المساحات واللحظات السوداء ظلت ترتسم على مدى عامين وبدل ان يأتي المسار القضائي ليبلسم جزءا بسيطا من آلام عائلات الضحايا تكوّن مسار تصاعدي ضد العدالة وضد اظهار الحقيقة. فبعد عامين لا حقيقة ولا عدالة ظهرت. ١٧ موقوفا بينهم ٤ مدراء عامين حصيلة ما رست عليه العدالة الحاضعة لموازين القوى. فمذكرتا توقيف في حق وزيرين كعلي حسن خليل ويوسف فنيانوس لا تجد طريقها الى التنفيذ فيعود خليل مع وزير آخر ملاحق هو غازي زعيتر الى المجلس النيابي وكأن شيئا لم يكن. التحقيق متوقف منذ أكثر من سبعة أشهر تقريبا بفعل ٣٩ دعوى رد ومخاصمة جعلت يد المحقق العدلي القاضي طارق البيطار مجمدة عن اي اجراء في الملف وعن القدرة على الحصول على اجوبة ووثائق من الخارج تساعد في التحقيق. فالهيئة العامة لمحكمة التمييز غير مكتملة للبت بطعون مخاصمة القاضي ناجي عيد الذي عليه البت بطلب رد القاضي البيطار ولا هي قادرة اصلا على تعيين قضاة المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء الذريعة السياسية الفارغة من مضمون العدالة والتي يتلطى وراءها احزاب وسياسيون لمنع المحقق العدلي من ملاحقة سياسيين.

نجحت السياسة بعد عامين في وقف التحقيقات وفي تحدي آلام الأهالي والعدالة الذين لم يشهدوا ولادة قرار ظني بعد عامين وبقي الموقوفون في السجن بعد فترة سجنية فافت العامين بأشهر.
إنه رهان السياسة على موازين القوى المائلة لصالح السياسة على حساب العدالة والرهان على مرور الزمن لاسقاط القضية من وجدان الساعين الى عدالتها.

إنه الرهان عل سقوط ما تبقى من الجزء الشمالي من الشاهد الصامت على الجريمة المتمثل بالاهراءات التي شاء درب آلام الأهالي والضحايا والعدالة أن يسقط على بعد أيام قليلة من الذكرى الثانية للكارثة. انه الانهيار والانفجار الذي يحاكي حقيقة انهيار وطن تخمرت فيه كل كوارث الفساد وسوء الادارة والفشل فانفجر وتدمر وتشتت أجساد الكثير من ابنائه في دول الخارج ويبقى انتظار انهيار الهيكل المتصدع تماما كحتمية انهيار ما تبقى من صوامع الجهة الشمالية للاهراءات التي لولاها لكانت مساحة الدمار والدماء والأحزان قد اتسعت مع عصف انفجار كارثي قاتل ودموي.