«انقلاب» على ماكرون في لبنان

هل ان انتخاب شخصية معادية لايران ولحزب الله ولحلفائه أمر مُمكن؟

.

ما قاله رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في ملف انتخابات رئاسة الجمهورية، يعكس بوضوح مناخات دولية بدأت تُقلق بعض الاطراف في الداخل، ومن ضمنهم حزب القوات، وقوى أخرى قريبة من هذا الخط. هذا المناخ، بدأت تتظهّر تفاصيله من خلال الزيارات التي يقوم بها دبلوماسيون غربيون الى قوى سياسية في الداخل، لطرح اسئلة في موضوع الاستحقاق الرئاسي.

ومن خلال المعطيات يبدو أن بعض الدبلوماسيين يطرحون مجموعة اسئلة على شخصيات لبنانية، هي التي تتسبّب بالقلق للبعض. ومن ضمن هذه الاسئلة ما يلي:
اولا- هل أن حظوظ سليمان فرنجية كبيرة؟ وهل يمكن تأمين النصاب لجلسة قد يتمّ فيها انتخاب فرنجية رئيساً؟
ثانيا- هل ان انتخاب شخصية معادية لايران ولحزب الله ولحلفائه أمر مُمكن؟ وحتى لو توفّرت الظروف لايصال شخصية من هذا النوع، هل من مصلحة لبنان وصول رئيس معادٍ لخط الممانعة، وبالتالي، ترفض القوى المحسوبة على هذا المحور التعاون معه؟
ثالثا- ما هي سلبيات وايجابيات انتخاب رئيس وسطي مقبول من المحورين المتنافسين في لبنان، واللذان يؤكدان ان صراعهما هو صراع مشروعين متناقضين؟
رابعا- هل يمكن اعتبار فرنجية وسطياً رغم علاقاته المميزة مع خط الممانعة، على اعتبار انه «زعيم» مسيحي، وهو من ضمن الشخصيات الاربع المقبولة من قبل بكركي؟

هذا النوع من الاسئلة التي يطرحها الدبلوماسيون، ومن ضمنهم دبلوماسيو دولٍ مؤثّرة في الساحة اللبنانية، مثل فرنسا، وصل الى مسامع جعجع، بل أنه سمع شخصياً بعض النماذج من هذه الاسئلة، الامر الذي جعله يتوجّس من الموقف الخارجي، ومن امكان دعم الدول لوصول فرنجية الى بعبدا.

هذه الهواجس تستند بشكل اساسي الى الدور الفرنسي، الذي بدأ البعض يعتبره دوراً مشبوهاً، يهدف الى تأمين المصالح الفرنسية مع ايران، على حساب «السيادة» اللبنانية. وفيما كانت فرنسا تُعتبر «الام الحنون» بالنسبة الى المسيحيين في لبنان، هناك اليوم قسم من هؤلاء المسيحيين نافرٌ من الدور الفرنسي، وبدأت الاصوات ترتفع، ولو بخجل لانتقاد موقف فرنسا، وموقف رئيسها ايمانويل ماكرون.

في الدوائر المغلقة للقوى السياسية المسيحية المعارضة لمحور ايران، يُسمع كلام من العيار الثقيل حيال فرنسا، والدور الذي يحاول رئيسها أن يلعبه. وإذا كان البعض يكتفي في الاعلام بتوجيه انتقادات ناعمة، أو يطرح تساؤلات في شأن دور ماكرون، فان الأمر يختلف في الكواليس، حيث يصبح الكلام المباح مسموحاً، وحيث يعبّر البعض بحرية عمّا يفكّر به. ومن خلال ما يُقال في جلسات من هذا النوع، يتبيّن بوضوح أن الفريق المحسوب على المحور المعارض لمحور الممانعة، بات يتصرف على اساس أن ماكرون يلعب دوراً سلبيا في لبنان، وانه فتح خطوط التواصل مع حزب الله بشكل غير اعتيادي. وما يجري على مستوى التعاون بين باريس ووزراء محسوبين على حزب الله لا يحتاج الى اثباتات، لأنه واضح من خلال النتائج التي توصّل اليها، وليس أقلها ما اعتبره البعض «السخاء» الفرنسي الذي أدّى الى تزويد لبنان عبر وزارة الاشغال التي يشغلها وزير سمّاه حزب الله للتوزير، بباصات حديثة للنقل العام، هي نفسها تستخدمها فرنسا في طرقاتها. وفي المقابل، تفوز الشركة البحرية التي جاء بها ماكرون الى بيروت عندما تفقّد المرفأ في العام 2020 عقب انفجار 4 آب، بكل المناقصات، التي يتم تنظيمها من اجل اعادة بناء وتشغيل المرفأ، وتشغيل محطة الحاويات، وسواها من المشاريع المتعددة. ويعتبر البعض، ان ما تفوز به باريس من مشاريع في لبنان، هو بمثابة «ردّ الجميل» من قبل حزب الله لباريس، على حُسن تعاونها معه ومع طهران.

واستناداً الى هذه الوقائع، قد نشهد في الفترة المقبلة تصعيدا في المواقف ضد التدخل الخارجي في الانتخابات الرئاسية، على خلفية عدم موافقة القوى المناوئة للهيمنة الايرانية في لبنان على المخططات الفرنسية غير الواضحة. ويذهب البعض بعيداً في تحليل المواقف، معتبراً ان الهجمة التي تُشنّ على مبدأ ايصال رئيس وسطي، انما تهدف في الواقع الى محاولة قطع الطريق على وصول رئيس محسوب على محور ايران، منعاً لتكرار تجربة الرئيس ميشال عون، وفق قناعة هذا البعض. وبالتالي، ولأن افضل طريقة للدفاع هي الهجوم، يقوم هذا الفريق بتصعيد مواقفه العلنية ضد وصول رئيسٍ وسطي، لكي يقطع الطريق على رئيسٍ مقرّب من حزب الله، ويفرض التفاوض للوصول لاحقاً الى اتفاق على رئيس وسطي. ولأن المياه تُكذّب الغطاس، ينبغي الانتظار بضعة اسابيع ربما، قبل أن تتظهّر حقيقة النوايا والمخططات، وما هو ممكن، وما هو غير ممكن، في الاستحقاق الرئاسي.