العملة الخضراء تفقد شعبيتها

.

كريس غايلز، إيفا سازلي – «فايننشال تايمز» –

عادة ما يعزز انخفاض الدولار التجارة ومرونة الاقتصاد العالمي ويساعد على تقليل الاختلالات التجارية، لكنه من غير المرجح أن يؤدي الانخفاض الذي شهده الدولار منذ بداية أزمة جائحة كورونا إلى حدوث ذلك. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن التقارب الاستثنائي في تحركات العملات العالمية أفرز فائزين وخاسرين، وأيضاً لأن انتشار الفيروس نفسه يعيق قدرة الاقتصادات على التكيف. منذ بداية يونيو، شهد الدولار انعكاساً مفاجئاً في شعبيته بين المستثمرين الذين تحولوا من اعتباره الملاذ العالمي إلى رهان غير عصري، وانخفض مؤشر الدولار بأكثر من %9 منذ ذروته التي بلغها نتيجة الأزمة في مارس.

وبحسب العديد من محللي العملات، تضاءلت الأسباب التي تحفز على الاحتفاظ بالدولار بسرعة، وأدت تخفيضات الاحتياطي الفدرالي لأسعار الفائدة، التي جاءت في اطار استجابته لأزمة كوفيد – 19، إلى تآكل الفارق بين الولايات المتحدة والاقتصادات المتقدمة الأخرى.

وفي الوقت نفسه، أدى فشل الحكومة الأميركية في السيطرة على فيروس كورونا بشكل فعال كما فعلت الحكومات الأوروبية والآسيوية الرائدة، اضافة الى صندوق التعافي الأوروبي الذي أنشأه قادة الاتحاد الأوروبي بقيمة 750 مليار يورو لإعادة بناء اقتصاد القارة بعد الجائحة، إلى انتعاش الثقة بشأن التوقعات المستقبلية في منطقة اليورو وعملتها.

يقول آرون هيرد، أحد كبار مديري المحافظ الاستثمارية في شركة ستيت ستريت غلوبل أدفايزرز «تحول الدولار إلى سوق هابطة، لن يحدث هذا في الأسابيع القليلة المقبلة، لكن على مدار السنوات الخمس المقبلة، ونعتقد أن الدولار قد يضعف بنسبة تتراوح بين 15 و%20 مقابل سلة من العملات النظيرة».

النمو النسبي

وبحسب محللين في «جيه بي مورغان» فإنه «من المرجح أن يكون النمو النسبي المحرك الرئيسي للدولار، كما يمثل عدد الاصابات المرتفع بفيروس كورونا والمشهد السياسي عبئا صرفا على الدولار».

بالنسبة للاقتصادات المتقدمة، من المرجح أن يكون لانخفاض الدولار آثار عالمية مفيدة، طالما لم يتطور إلى مشكلة أكبر تحدث اضطرابات. على مدى عقود، عانت الولايات المتحدة من عجز مستمر في الميزان التجاري والحساب الجاري، وبالتالي فإن ضعف العملة يؤدي إلى تحسين القدرة التنافسية لصادرات الولايات المتحدة، بينما يجعل الواردات من الاقتصادات المتقدمة الأخرى أكثر تكلفة.

وإلى جانب أي دعم للطلب المحلي يمكن أن يقدمه صندوق التعافي التابع للاتحاد الأوروبي، يجب أن يكون التأثير الصافي اقتصادا عالميا أكثر توازنا عند مستوى طلب أعلى، على الرغم من أن التأثيرات قد لا تكون كبيرة إذا استمرت الولايات المتحدة في الحصول على تمويل أقل كلفة من الآخرين.

يقيس مؤشر الدولار قيمة العملة الأميركية مقابل سلة من عملات الاقتصاد المتقدم التي يهيمن عليها اليورو. وتشكل عملة منطقة اليورو 57.6% من وزن سلة العملات التي تضم أيضاً الين والجنيه الإسترليني والدولار الكندي والكرونا السويدية والفرنك السويسري. لكن المؤشر لا يشمل أي عملات للاقتصادات الناشئة، التي ارتفعت العملة الأميركية مقابل معظمها منذ ظهور الجائحة لأول مرة؛ إذ ارتفع الدولار نحو %25 مقابل الريال البرازيلي منذ مارس، في حين كان أقوى بأكثر من %10 مقابل البيزو المكسيكي والروبل الروسي.

تقويض الاقتصاد

هذه التحركات في العملة هي التي تهدّد بتقويض آفاق الاقتصاد العالمي، ويتوقع الاقتصاديون التقليديون أن تستفيد عملات معظم الاقتصادات الناشئة من الضعف مقابل الدولار، لأنه سيوفر دفعة قوية في الطلب، من خلال جعل صادراتها أكثر قدرة على المنافسة وارتفاع سعر الواردات.

لكن عدداً متزايداً من الاقتصاديين يخشون أن تكون هذه الحجة خطأ؛ إذ يجري تسعير تجارة الاقتصادات الناشئة والنامية إلى حد كبير بالدولار؛ لذلك لا تصبح صادراتها أكثر تنافسية عندما تضعف عملاتها. وهذا يعني أن زيادة الطلب أضعف بكثير، وفق ما أشارت أبحاث مؤثرة صادرة عن صندوق النقد الدولي مؤخراً. ولأن الواردات من الاقتصادات الناشئة الأخرى مسعّرة بالدولار أيضاً، فقد تضررت التجارة بمجملها وليس فقط الواردات من الولايات المتحدة.

وتفاقم هذا التأثير بسبب فيروس كورونا، حيث إن أكبر الصادرات التي يتم تسعيرها بالعملة المحلية؛ كالسياحة مثلا، تضرر بشدة من قيود السفر ويعاني أكثر بكثير مما يعانيه عادة عندما تضعف عملات الأسواق الناشئة. ووصلت الحكومات والشركات في الاقتصادات الناشئة التي اقترضت بالدولار الى نقطة فاصلة في هذه الأزمة؛ لأنها بحاجة إلى عائدات محلية أعلى لتمويل القروض الحالية.

ويقول صندوق النقد الدولي إن هذا المزيج من المحتمل أن يكون ضارّاً بالاقتصاد العالمي. وخلص محللو صندوق النقد الدولي إلى أن تعزيز الدولار مقابل الاقتصادات الناشئة والنامية «من المرجح أن يؤدي إلى تضخيم التراجع القصير الأجل في التجارة العالمية والنشاط الاقتصادي».

ويضيف كبير مستشاري «إتش إس بي سي» ستيفن كينغ: إنه حتى الاقتصادات التي استفادت من تحرّكات العملات التي تسبب فيها الوباء لن تستفيد كثيرا على الأرجح، موضحاً أن ارتفاع عملة ما مقابل الدولار «من شأنه أن يزيل القليل من ضغوط التمويل في الأسواق الناشئة، لكن ليس بما يكفي لتعويض آثار الجائحة وفقدان القوة المالية».