ماذا لو لجأت المؤسسات العسكرية الى الاضراب؟

نقطة الذروة في ازمة لبنان الكارثية..

.

كثيرة هي مؤشرات الأزمة الخطيرة التي يمر بها لبنان. واحد منها يظهر جليا بتوالي الاضرابات في قطاعات مختلفة. اضراب موظفي الادارات العامة الذي انتهى بتقديمات اضافية وبعدها اضراب القضاة المستمر والذي يعطل مسار الكثير من الدعاوى واخلاءات السبيل حتى ومن ثم اضراب موظفي شركتي الخلوي وصولا الى اضراب موظفي اوجيرو الذي يشل مجالات اساسية.

قد تكون هذه القطاعات محظوظة بقدرتها على اللجوء الى الاضراب وصرختها في وجه الجوع وعدم القدرة على الاستمرار. لكن ثمة مؤسسات يعيش ضباطها وعناصرها أسوأ مراحلهم من دون أن يكونوا قادرين على الصرخة لأنهم اعتادوا أن يكونوا جزءا من مؤسسات صامتة لا تلجأ الى الاضراب ولا الى الاعتصام ولا الى التظاهر لتأمين حقوقها ومعالجة اوضاعها. رغم كل الصعاب لم تصرخ هذه المؤسسات العسكرية والأمنية بعد. هي بصمت شهدت حالات فرار بسبب الأزمة وبحرقة شهدت طلبات تسريح ومغادرة بلاد من دون عودة وخروج بعض عناصرها حتى عن طريق مراكب الموت. الضباط كما الرتباء والعناصر رواتبهم لا تكفي أبسط حاجات العائلة اليوم. بين ٤٠ دولارا و٢٠٠ دولار تتراوح قيمة رواتبهم. بعضها لا يكفي حتى لفاتورة مولد. بات عدد كبير من العناصر والرتباء يقومون بأعمال أخرى وبعلم قياداتهم وهو ما لم يكن مسموحا سابقا. لكن الى متى سيتحمل هؤلاء؟ ماذا لو لجأوا الى الاضراب غير المألوف في التاريخ اللبناني والذي لا يملك تصورا للترجمة العملية له؟ لكن ماذا لو لجأوا كباقي القطاعات الى التعبير عن عدم قدرتهم على الاستمرار؟ هل نعيش عندها مرحلة الفوضى والفلتان الأمني؟ قد لا يصل لبنان الى هذه النقطة وقد لا يلجأ أبناء هذه المؤسسات الى هذا الاجراء لكن من يضمن ردات الفعل على جوع العائلات وعدم القدرة على القيام بأبسط المتطلبات؟ حتى الآن ورغم كل المصاعب تستمر هذه المؤسسات بعملها رغم حالات الفرار والنقص في العديد أحيانا. لكن الى متى الرهان على استمرارها ؟

بين هذه المؤسسات ومن يلجأ الى الاضراب ثمة مفارقة مؤلمة. فضباط وعناصر ورتباء الجيش اللبناني مثلا لم يسهموا بفساد الدولة اللبنانية وخلقوا من مؤسستهم مؤسسة تحظى بثقة اللبنانيين. قدموا التضحيات وعملوا في الداخل وعلى الحدود بتحقيق الأمن وتثبيته ومواجهة الأخطار والتي تجلى أخطرها بالارهاب. قد تكون سجلت بعض الحالات الفردية الخارجة عن القانون وربما لم يكن القرار والواقع السياسي اللبناني سامحا بالذهاب بعيدا في انهاء حالات خارجة عن منطق السيادة أو اقفال المعابر غير الشرعية نهائيا مثلا لاعتبارات جغرافية وسياسية وعشائرية لكن في النتيجة بقيت مؤسسة الجيش قادرة على تحقيق الأمن وانجاز الاستقرار وقدمت تضحيات مع باقي المؤسسات الأمنية . فجأة وجد ضباطها وعناصرها ورتباؤها الذين لم يشاركوا في لعبة الفساد والهدر والسرقات في لبنان أنهم يدفعون أكبر الأثمان بسبب الأزمة الراهنة. في المقابل من لجأ ويلجأ الى الاضراب كانوا جزءا من قطاعات شاركت حقيقة في انهيار الدولة بسبب حجم الهدر الذي حصل فيها. رواتب كبيرة وغير مستحقة أحيانا وتنفيعات وزبائنية وموظفون وعمال لا حاجة لهم في قطاع الاتصالات، مشاريع بعشرات ملايين الدولارات تم توثيق الهدر والخلل فيها، اكثر من ٥.٤ مليار دولار صرفت من دون رقابة، من بينها أموال مشاريع هدرت واموال رعايات وايجارات مواقع ومبان وتوظيفات بغرض التنفيع السياسي والمحاصصة. ثم يلجأ موظفو وعمال هذا القطاع الى الاضراب لتحسين معيشتهم ورواتبهم. حتى في القطاع العام نفسه موظفو الادارات والمؤسسات العامة الذين كان قسم كبير منهم يعيش على التنفيعات الخاصة والرشاوى وهدر المال العام وأحيانا كثيرة وبأعداد كبيرة لا يحضرون الى العمل ويتقاضون الرواتب، هؤلاء لجاوا إلى الاضراب وحصلوا على تقديمات مالية وتحسين في أجورهم ورواتبهم. فبين من كان على الحدود في جرود راس بعلبك وعرسال الذي دافع عن وطنه وضحى بنفسه في وجه الارهاب والذي لم يشارك في سرقة المال العام وبين من شاركوا في فساد ادارات الدولة وحصلوا على رواتب غير مستحقة أحيانا، يترك الأول لمصيره في ازمة قاتلة فيما يحتضن النموذج الثاني للاستمرار.

فماذا لو تراكمت الأمور نحو ردات فعل من قبل المؤسسات العسكرية والأمنية وعبرت عن حال عدم القدرة على الاستمرار لا مؤسساتيا ولا على مستوى الضباط والأفراد ماذا سيجري عندها؟ قد يقول البعض ان هذه المؤسسات كانت جزءا من عبء القطاع العام على نفقات الدولة لكن في النتيحة قدمت هذه المؤسسات الأمن للمواطن اللبناني وعند وصول ازمتها الى نقطة الذروة في ظل غياب الحلول الجذرية وصراعات المصالح والفراغ السياسي عندها ستكون نقطة الذروة قي ازمة لبنان الكارثية وقد تتخذ الأمور معها منحى مختلفا وخطيرا.