مخاطر الفراغ تلامس الوضع الأمني

تهديد صريح ببقاء عون في بعبدا.. الأخير استكمل ما بدأه باسيل

.

بدأ الصراع حول تشكيل حكومة جديدة يأخذ منحى خطيرا، بسبب التهديدات المتبادلة في شأن الجهة التي ستتسلم مقاليد الحكم في البلاد بعد انتهاء ولاية رئيس الجمهورية في نهاية تشرين الاول المقبل. ومن خلال المعطيات الأخيرة، يمكن القول إن محاولة الخرق التي قام بها الرئيس المكلف نجيب ميقاتي لتشكيل حكومة قد باءت بالفشل. وكان معروفاً ان رئيس المجلس النيابي نبيه بري هو من دفع في اتجاه هذه المحاولة، وأقنع ميقاتي بها، بهدف تحاشي اية ذريعة قد يتسلح بها رئيس الجمهورية للبقاء في قصر بعبدا، وفق ما نقله المقربون من بري في ذلك الوقت. وبالنتيجة، تبرّع بري لنعي هذه المبادرة في الكلمة التي ألقاها في ذكرى تغييب الامام موسى الصدر.

وبعد كلمة رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، والتي جاءت بعد يوم واحد من كلمة رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، والتي هاجم فيها العهد والرئيس بالاسم، عادت الشكوك قوية في شأن مغادرة الرئيس عون قصر بعبدا في 31 تشرين الاول المقبل. اذ أعلن باسيل بوضوح ان فريقه السياسي لن يعترف بصلاحيات حكومة تصريف اعمال، وبالتالي، ألمح إلى اجراءات في المقابل، فُسّرت بأنها تهديد صريح ببقاء عون في بعبدا. وقد استكمل رئيس الجمهورية ما بدأه باسيل، ونُقل عنه كلام يتماهى في السياق، مع الموقف الذي اعلنه باسيل.

في هذه المعمعة، يبدو حزب الله، صاحب الرأي المؤثر في هذا الملف، متسلحاً بالصمت. والمخولون الكلام العلني في الحزب يكتفون بالعموميات، ويتحدثون بنوع من الغموض المتعمّد عن مواصفات الرئيس المقبل، وهي مواصفات عامة، جزء منها يتفق عليه كل اللبنانيين، مثل القول ان المطلوب رئيساً يجيد التعامل مع الأزمة الاقتصادية والمالية ويساعد البلد على الخروج من هذه الأزمة في اسرع وقت ممكن. وشق آخر هو بطبيعة الحال موضع خلاف، ويعكس الانقسام في البلد، كالقول ان المطلوب رئيس يدعم خط المقاومة، ويقول لا للأميركيين، بما يوحي بأن المقصود اختيار رئيس من فريق 8 آذار.

ملف الفراغ، وما قد يستتبعه من تطورات، محطّ متابعة حثيثة من قبل كل الأوساط، بالنظر إلى خطورة هذا الموضوع. ومع قناعة البعض، بأن الفراغ اصبح شبه محسوم، وانه واقع لا محالة، صار النقاش اليوم اذا ما كان الفراغ سيكون على البارد ام على السخن، والفارق شاسع بين الوضعين. اذ يسري في بعض الاوساط ان الفراغ الهادئ، يعني عملياً أن يغادر عون قصر بعبدا في الموعد المحدّد، وان تتسلّم الحكومة الموجودة الصلاحيات مؤقتاً، كما حصل في السابق، وان تكون هذه المرحلة مرحلة انتظار، وصولاً لاحقاً الى تفاهمات داخلية تتقاطع مع تفاهمات خارجية، تؤدي الى انتخاب رئيس جديد.

في الحالة الثانية، اي أن يكون هناك فريق سياسي رافض لمبدأ تسلّم حكومة تصريف الاعمال الصلاحيات، فهذا سيؤدّي، وفي حال بقي عون في القصر، الى مرحلة ساخنة مفتوحة على التشنجات والتوترات السياسية، بالاضافة الى مخاطر تلامس الوضع الأمني، وكيفية تعاطي المؤسسات العسكرية والأمنية مع هذا الواقع الشاذ. وستكون سابقة في تاريخ لبنان الحديث، ليس واضحاً كيف سيتم التعاطي معها خارجيا ايضاً. وبالتالي، سيحمل الوضع غير المسبوق مخاطر كثيرة، وتساؤلات مشروعة اذا ما كان يمكن الخروج من المأزق من دون تدخل خارجي وازن، يؤدّي الى اتفاق سياسي جديد، على غرار ما جرى في مؤتمر الطائف كحدٍ أقصى، أو ما جرى في مؤتمر الدوحة كحدٍ أدنى.

هل من اجراءات مطروحة لتحاشي الوصول الى هذا الوضع الغامض والخطر؟
في الكواليس، الاتصالات مستمرة ولو بوتيرة بطيئة. واذا كان موقف رئيس المجلس النيابي نبيه بري واضحاً لجهة رفضه بقاء عون في بعبدا، تحت اي ظرف من الظروف، فان موقف حزب الله يبقى هو الاساس في هذه المسألة. فهل من مصلحة الحزب الوصول الى مرحلة غامضة ومضطربة؟
في المعلومات، ان بري يحاول مع رئيس الحكومة المكلف اعادة البحث في امكانية تعويم الحكومة القائمة، اذا تعذّر تشكيل حكومة جديدة تبدو فيها شروط فريق رئيس الجمهورية عالية السقف. لكن التعويم يخضع بدوره لشروط لم يوافق عليها حتى الان بري وميقاتي. فهل يضطر الرجلان، وامام الخيارات الضيقة الى التنازل، على طريقة اختيار المرّ تحاشياً للأمر؟
كل الاحتمالات واردة، والمرحلة المقبلة مفتوحة على كل انواع المخاطر.