تيارٌ لا يعرف الا الانتصار

.

يُقال -وهكذا تبدأ الاشاعة عادةً- بأن التيار الوطني الحر سوف ينزل على الأرض جحافل وجماعات يوم خروج الرئيس الأب القائد من القصر، وذلك في مواكبةٍ لِخَط سير موكبه، وكاحتضان لشخصه، كما لإلقاء تحية حب وتقدير واحترام لما قدمه للبنان، أطال الله عمره، منذ دخوله المعترك السياسي آواخر ثمانينات القرن الماضي حتى أيامنا السعيدة هذه.

وعلم مندوبنا أن الخط البشري الوفي، المؤلّف مما تبقى من شعبٍ لبنانيٍ عظيم، -أي من الذين لم يهاجروا بعد، او يعتكفوا، او يستفيقوا- سيبدأ من نقطة الانطلاق في قصر الشعب في بعبدا، حتى نقطة وصول الرئيس السابق للبلاد الى مقر اقامته الجديد في الرابية. حيث من المفترض ان يستقر هناك بهناء وهدوء وراحة بال، قلّ نظيرها هذه الأيام لدى عامة الشعب العظيم والعادي والسوبر على حد سواء. ذاك الشعب الذي يأكل اليوم القلق والهَمَّ في صحنه في كل ساعة. المهم ان الأب القائد سيرتاح من أثقال السنين الطويلة التي حملها على كتفيه، مع ما تخللته من موجات اصلاح وتغيير عارمة وشرسة، ساهمت في رفعة البلاد وتقدمها وازدهارها. اذاً سيرتاح الكبير في عرينه الجديد المتواضع، مسلّما دفة القيادة الى قبطان شاب طموح كفؤ، له فم يأكل وليس له فم يحكي. وصدق من قال: هنيئاً لمن له مرقد عنزة (ولو طارت) في ربوعك يا لبنان.

توقع مندوبنا ايضاً انه في حال حصل هذا التحرك الاحتفالي الضخم فعلاً، فَلَسَوْفَ يرتسم خط برتقالي طويل عريض، غير مسبوق شكلاً ونوعاً ومضموناً. سيتكوّن من سلسلة بشرية طويلة متماسكة الأيدي متراصة، تصدح بالأناشيد الثورية الحماسية وتنضح بزمامير التيار. وسيكون بالإمكان مشاهدتها بوضوح من سطح القمر، كما قدّر مندوبنا، كما سيشعر رواد الفضاء بذبذبات زماميرها. وربما تصل اصداؤها الى ربوع الكوكب-الأم المريخ، على أبعد تقدير. وقد تَدْخُلُ السلسلة ايضاً كتاب غينيس للأرقام القياسية من بابه العريض، فتُسَجِّل بذلك إنجازاً إضافياً، ارتدادياً هذه المرة، يُضاف على كل ما سبق وتكدّس من إنجازات نفيسة.

هذا من حيث الشكل، اما من حيث المضمون فقد أضاف مندوبنا، وبعدما ارتفع لديه منسوب الخبث في نواياه، ان للتحرك المذكور ذي الطابع الانتصاري الفَرِح، غايةً أخرى وبُعداً خفياً هو “محاولة التغلغل المموّه في موجة الفرح المقابلة التي ستعمّ الشريحة الثانية من الشعب”، المحتفلة بانتهاء العهد مع نقطة على اول السطر.

كيف سيتم دمج الموجتين تقنياً؟! يضيف مندوبنا شارحاً: فرحة التيار، سيكون موضوعها ان الرئيس انتصر على كل الذي طالبوا ذات يوم بتنحيته او بتنحّيه، ولكنه كسرهم وبقي حتى آخر دقيقة. صح؟ أليس هذا انتصاراً، ويستحق الفرحة؟ اما الفرحة المقابلة سيكون موضوعها: “انقضاء فترة العهد”. صح؟ إذاً سيكون الشارع اللبناني كله فَرِحاً، وتتداخل الفرحتان في بعضهما ويضيع الشنكاش. ولا يعود معروفاً مَن فرحان لماذا. اللهم، إلا حسبما يصدح هنا وهناك من أناشيد وزمامير.. وشتائم.

ربما كان مندوبنا، بتحليله الخنفشاري، على حق. فالجماعة لا يعرفون الهزيمة، او أقله لا يحبوها. لا يستسيغونها. تسبب لهم حرقة في المعدة. كما تسبب لهم احياناً دواراً وغثياناً، وتلبكاً معوياً في المصران الغليظ. لذا تراهم دوماً منتصرين محتفلين شامتين. وإليكم بعض الأمثلة:

– أولى انتصاراتهم، وقبل ان يتشكلوا رسمياً بعد، كان في حرب التحرير لمجرّد ان أعلنوا عن “هز المسمار”.
– انتصروا لمجرّد ان اعلنوا بدء حربهم الصغيرة في المنطقة الشرقية بهدف توحيد البندقية او السمسمية او الفستقية لم أعد أذكر، فتترجم مفعول تلك الحرب ونتائجها على الأرض بأن أعادت جمع الشمل ضمن العائلات الواحدة، والتي كانت تفرقت بسبب حاجز البربارة المدفون، وانطوان زهرة، وربطات الخبز.
– انتصر التيار عندما لم تتمكن طائرات السوخوي في 13 تشرين النيل من شخص القائد.
– وتحول هذا اليوم الى ذكرى يحتفل بها التيار في كل عام على انه كان يوم انتصار.
– انتصر التيار عندما فضح وزيرُ الطاقة يوماً، وهو التابع لهم، ان بواخر الكهرباء هي مصدر سرقة وهدر وفساد يحاول الآخرون جلبها لتمرير سرقاتهم وصفقاتهم.
– ثم عاد وانتصر التيار عندما اتى الوزير نفسه بتلك البواخر نفسها ودافع عنها على انها الحل وصارت دَحْ.
– ينتصر التيار عادة في كل الانتخابات على أنواعها: الطالبية، في كل الجامعات، في كل الحقول والاختصاصات والمناطق، وفي الانتخابات النقابية، البلدية والاختيارية، وتتوّج انتصاراته عادةً في الانتخابات النيابية، حتى ولو على حساب حلفائه، وحتى لو انخفضت نسبة المصوتين لنوابه %30 عن الانتخابات السابقة، حتى ان الجماعة ينتصرون في انتخابات لجنة البناية في كل البنايات.
– ينتصر التيار ايضاً عندما يُرغِم ناشطوه الوزير نجّار على التوقيع على مرسوم، وذلك لتسريع عملية ترسيم الحدود البحرية “وقّع يا نجار”، وينتصرون عندما يماطلون هُم في التوقيع على المرسوم نفسه وارساله وعندما يتنازلون عن الخطوط البحرية الواحد تلو الآخر.
– ينتصرون عندما يبنون السدود المائية في أماكن غير صالحة، وبمخططات فاشلة، مكلفة، غير مدروسة.
– ثم ينتصرون عندما تمتلئ السدود بالأمطار حكماً إثر فصل شتاء فائض. فيقيمون المهرجانات الرياضية والسياحية والاحتفالات على مياهها ويأخذون الصوَر.
– ثم ينتصرون عندما تفرغ من المياه بسبب التشققات والثقوب على أساس انها ما زالت في مرحلة التجارب وهي مقصودة ان تفرغ. وقد نجحوا بذلك، فيحتفلون.
– ينتصرون عندما تتغلب الوزيرة على نير وتسلط وتحكّم كارتيلات المحروقات فتبشّر المواطنين بعدم الوقوف بعد اليوم في طوابير امام محطات المحروقات. ولكنهم يعودون الى الوقوف في الطوابير وينتصرون ايضاً كمان وكمان بحجّة ان الوضع كان ليكون أسوأ من ذلك.
– ينتصرون عندما يعلن الوزير ان الكهرباء ستأتي بعد سنتين 24 على 24 وينتصرون عندما يصبح التقنين 24 على 24 لاعتبارهم انه كان ممكن للوضع ان يكون أسوأ.
– في حال انتصرت فرقة “مياس” ينتصرون.
– في حال انتصر منتخب لبنان لكرة السلة ينتصرون.
– في حال اختلفوا مع الرئيس بري ينتصرون.
– في حال تحالفوا مع الرئيس بري ينتصرون.
– في حال سيّروا البلاد بلا ميزانية ينتصرون.
– في حال أكلوا عقوبات دولية ينتصرون.
– في حال خلعوا باب مكتّف ينتصرون.
– في حال تفوّهوا بكلمة تدقيق جنائي ينتصرون.
– مين قال انه في حال خرج الرئيس من القصر آخر الشهر يكون التيار انتصر وفي حال لم يخرج يكون أيضاً انتصر، وانه في حال حصل فراغ يكون التيار انتصر وفي حال لم يحصل فراغ يكون ايضاً انتصر، وانه في حال تشكلت حكومة يكون التيار انتصر وفي حال لم تُشكّل يكون ايضاً انتصر، وانه في حال اتى فرنجية رئيساً يكون التيار انتصر وفي حال لم يأتِ يكون أيضاً انتصر، وانه في حال أتى قائد الجيش رئيساً يكون التيار انتصر وفي لم يأتِ يكون ايضاً انتصر، وفي حال اتى باسيل رئيساً يكون التيار انتصر وفي حال لم يأتِ يكون أيضاً انتصر؟ أنا قال، بشوفكم بُكرا.