وعود ميقاتي الفضفاضة تصطدم بفيتو صندوق النقد

الافكار الجديدة التي ستتضمّنها الخطة ترتبط حصراً بتوزيع الودائع الى مجموعة شرائح

.

قال كلمته ومشى.. هذا هو الانطباع السائد منذ أن قرّر رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي تعديل خطة التعافي التي اتفقت حكومته على أساسها مع صندوق النقد الدولي، واعتُمدت كمعيار لانجاز الاتفاق الاولي على مستوى الموظفين الذي أعلن عنه في 7 نيسان 2022، قبيل الانتخابات النيابية.

بعد مرور حوالي 3 أشهر على الاتفاق الاولي، فاجأ ميقاتي الجميع بأنه قرر تعديل خطة التعافي، في اتجاه تحميل الدولة جزءاً من المسؤولية في المشاركة في الخسائر، بالاضافة الى تغيير مبدأ شطب الودائع فوق الـ100 الف دولار، واستبداله بقرار اعادة الودائع، او القسم الاكبر منها، عبر إشراك الدولة في اعادة تكوين هذه الودائع من الايرادات المستقبلية. واختار ميقاتي ان يعلن هذا القرار من المجلس النيابي، في نهاية حزيران الماضي.

مضى شهران ونصف منذ هذا الاعلان، ولم تبرز معالم الخطة الجديدة التي سترسو عليها الامور، وتحولها الحكومة إلى المجلس النيابي للمناقشة والاقرار. هذا الصمت الطويل دفع البعض الى التشكيك في مصداقية الافكار التي أعلنها ميقاتي في المجلس النيابي. وكثيرون اعتبروا ان الافكار الجديدة قد يتعذّر تحويلها الى خطة، بسبب رفض صندوق النقد الدولي لهذه التغييرات التي اقترحها رئيس حكومة تصريف الاعمال.

هل هذه الشكوك في موضعها الصحيح؟ وهل سيتمّ تقديم خطة جديدة تحولها الحكومة قريبا الى المجلس للمناقشة؟

في متابعة هذا الملف، يتبيّن اولاً ان صندوق النقد لا يؤيد في المطلق استخدام موارد الدولة من اجل اعادة الودائع، وبالتالي، فان العائق الاول لتنفيذ افكار ميقاتي يكمن في هذه النقطة. هذه الشكوك تغذيها التصريحات التي أدلى بها نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي في اليومين الأخيرين. ومن المعروف ان الشامي هو ضابط الارتباط بين الحكومة اللبنانية وصندوق النقد، وهو من يتولى الاتصالات والتفاوض مع المسؤولين عن الملف اللبناني في الصندوق. وقد أعلن الشامي مؤخرا ان الخطة الاقتصادية بنسختها المعدّلة أصبحت شبه جاهزة، وانه سيصار الى تحويلها الى المجلس النيابي مع حزمة القوانين والتشريعات المطلوبة، ومن ضمنها مشروع قانون الكابيتال كونترول الذي كان النواب قد أعادوه للحكومة مشترطين أن يعود اليهم مع خطة التعافي للتمكّن من مناقشته. لكن اللافت هنا، ان الشامي عاد وأطلق تصريحا جديدا شدّد فيه على ان الخطة الاقتصادية جاهزة منذ نيسان وقد تمّ التفاهم عليها مع صندوق النقد. وشدّد كذلك، ان لا تعديلات سيتمّ ادخالها في الخطة، بل سيتم تفصيل الشروحات في شأن عناوين عريضة كانت واردة في الخطة من الأساس.

هذا الكلام لا يمكن تفسيره سوى أن صندوق النقد لم يتجاوب فعليا مع الاقتراحات الجديدة التي قدمها ميقاتي، وأنه مصر على الخطة كما جرى الاتفاق عليها. وبالتالي، ما وصفه الشامي بتفصيل الخطوط العريضة قد يكون أقل أهمية وشمولية من الأفكار التي أطلقها ميقاتي في المجلس النيابي، مراهناً يومها على تجاوب صندوق النقد مع هذه الافكار.

وعليه، يمكن الاستنتاج بأن خطة التعافي التي ستصل الى المجلس النيابي لن تكون مغايرة كثيرا للخطة القائمة التي تمّ نشرها في حينه. ولا يبدو ان مشروع انشاء صندوق سيادي او استثماري تتمّ تغذيته من ايرادات الدولة المستقبلية، سيكون متاحاً لاعادة جزء من الودائع.

وفي المعلومات، ان الافكار الجديدة التي ستتضمّنها الخطة ترتبط حصراً بتوزيع الودائع الى مجموعة شرائح، بحيث يسهُل خفض حجم الودائع التي تنبغي اعادتها من 102 مليار دولار، الى ما دون الـ60 مليار دولار. هذا الأمر قد يتحقّق من خلال عدم احتساب الودائع التي تمّ تحويلها من الليرة الى الدولار بعد تشرين الاول 2019، أي بعد اغلاق المصارف لمدة 12 يوما ومن ثم استئناف عملها في ظل قيود فرضتها على التحويلات والسحب. والشريحة الاخرى التي سيتم استبعادها عن لائحة الودائع المطلوب اعادتها، هي مجموع الفوائد التي حصلت عليها مجموعة من المودعين الكبار، سواء في خلال فترة الهندسات المالية، حيث اصبحت اسعار الفوائد خيالية، او حتى قبل هذه الحقبة، بعدة سنوات. وبهذه الطريقة، تصبح المبالغ المطلوب تسديدها للمودعين توازي نصف حجم الودائع الحالي. ويصبح احتساب رساميل المصارف، ومن ثم قيمة الاسهم التفضيلية، بالاضافة الى الموجودات العينية والنقدية كافية نظرياً لتسديد الودائع. فهل يمكن لخطة من هذا النوع أن تمر؟

لا شك في ان المواجهة ستكون قاسية، وهناك قلق مبرّر من أن يعجز المجلس عن التوافق على خطة من هذا النوع، ونكون قد عدنا الى المربع الاول في خطط الانقاذ التي بقيت حبراً على ورق، منذ الخطة التي وضعتها حكومة حسان دياب، وحتى اليوم.