خمسة رهانات مصرية لمنع الانزلاق نحو الهاوية

.

منذ اندلاع الحرب الروسية الاوكرانية، والاقتصاد المصري يواجه الصدمات التي تسبَّب بها هذا الزلزال، وقد أصابت ارتدادته معظم مفاصل القطاعات، سيما منها قطاع الاستثمارات الاجنبية في الادوات المالية. ورغم ان بعض مفاصل الاقتصاد سجلت تطورات ايجابية، ومنها حجم التصدير، الا أن ذلك لم يكن كافياً لتعويض النزف الذي يرتبط بالخلل الذي يصيب ميزان المدفوعات، بسبب خروج كميات كبيرة من النقد الاجنبي من البلد، والذي أدّى في النتيجة الى تراجع احتياطي العملات في البنك المركزي. وبالتالي، فان الإيرادات التي زادت بنحو ثلاثة أضعاف عام 2012/2022، والفائض الأولي بنسبة 3.4 % من الناتج الإجمالى، وارتفاع الصادرات إلى 47.1 مليار دولار، كل هذه الايجابيات لم تكن كافية لمنع بروز الثغرة في الاحتياطي النقدي.

ويؤدّي انخفاض احتياطي العملات الى الضغط على الجنيه المصري بوتيرة متصاعدة. ويعود هذا التراجع الى عاملين، الاول يرتبط بارتفاع كلفة الاستيراد بسبب التضخّم العالمي، وارتفاع كلفة النقل والانتاج، ويرتبط الثاني بخروج نحو 20 مليار دولار من استثمارات الأجانب غير المباشرة في أدوات الدين المصرية.

في مواجهة هذا الواقع، تحاول السلطات المصرية اعتماد مجموعة من الاجراءات والحلول، لكن بعضها مُكلف، ويزيد الضغوطات المعيشية على المواطن المصري. ومن أهم الخطوات المعتمدة في هذه المواجهة، ما يلي:
اولا- اتّباع مخطط خفض قيمة الجنيه المصري بهدف استيعاب الفروقات، وتخفيف الضغط على ميزان المدفوعات. وسبق للبنك المركزي ان خفّض قيمة الجنيه في اذار\مارس 2022، بنسبة 17%. ويتحضّر اليوم لخفض جديد قد يكون أكبر من الخفض السابق. وتتفاوت التقديرات في تحديد قيمة هذا الخفض. وبرأي بعض الاقتصاديين، أن سعر صرف الجنيه يجب أن يتراوح بين 21 إلى 22 جنيها للدولار، في حين يجزم آخرون بأن قيمة الجنيه هي أقل من ذلك، وينبغي ان تصل الى 25 جنيها للدولار الواحد. وما يدعم هذا الموقف، هو ان العقود الآجلة لتسليم الجنيه مقابل الدولار خلال عام تشير إلى مستويات تصل إلى 24 جنيها للدولار.
ثانيا- تواصل مصر سياسة التنسيق اللصيق مع صندوق النقد الدولي، وهي تأمل الحصول على مزيد من الدعم عبر قروض جديدة موعودة. لكن هذا التنسيق يضطر السلطات المصرية الى اتخاذ اجراءات قاسية، من ضمنها خفض قيمة عملتها. في المقابل، فان الدعم الذي يقدمه الصندوق يشكّل ضرورة للاقتصاد المصري، ولا يمكن الاستغناء عنه.
ثالثا- السعي الى ضمان استمرار تدفّق الاموال من المصريين العاملين في الخارج، ومحاولة زيادة حجم هذه التحويلات، وهذا الامر تحقق نسبياً مع وصول حجم التحويلات السنوية الى 31.9 مليار دولار. وتعمل السلطات المختصة على ايجاد آليات استثمار يمكن ان تشجّع المصريين في الخارج على زيادة حجم التحويلات.
رابعا- تحفيز القطاع السياحي من خلال الحرص على ضمان الاستقرار الامني والسياسي. وقد ساهم هذا القطاع في إدخال حوالي 8.2 مليار دولار، لكنه قادر على التطور اكثر مع ترسيخ الاستقرار، وزيادة الاستثمارات السياحية، والدعاية الخارجية.
خامسا- التنسيق مع دول الخليج العربي للحصول على مساعدات، سواء عبر الهبات او القروض الميسرة، او الاستثمارات المباشرة. وبالتزامن مع تحسّن العلاقات السياسية مع الخليج العربي، تأمل مصر بزيادة ضخ الاموال في الاقتصاد المصري. ويبدو ان القاهرة مرتاحة للنتائج التي حققتها حتى الان في هذا المجال، بدليل ان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، حرص على توجيه الشكر والامتنان علناً لحكومات دول الخليج. وقال السيسي خلال تدشين الوحدات البحرية الجديدة لهيئة قناة السويس والموقف التنفيذي لتطوير القطاع الجنوبي للقناة، ان “الأشقاء في الخليج قدموا دعما للمشتقات البترولية والأموال السائلة، ولولا هذا الدعم لما استطاعت هذه الدولة أن تستمر”. مع الاشارة الى أن إيرادات قناة السويس سجلت أعلى مستوى من المداخيل وصلت إلى 7 مليار دولار.

هذه المشهدية في الاقتصاد المصري تشير بوضوح الى قدرة السلطات على التعاطي مع الضغوطات بفعالية ونجاح، لكن ذلك لا يمنع ان المواطن المصري يشعر في المقابل بوطأة الأزمة القائمة، وقدراته الشرائية تتعرّض لضغوطات اضافية منذ اندلاع الحرب الروسية الاوكرانية. لكن، بين المجازفة بوضعية الاقتصاد الكلي، (macroeconimc) أو القبول بتضحيات مطلوبة من المواطن المصري، ينبغي الاعتراف بأن انقاذ الاقتصاد اولوية، لأن انهياره سيرتدّ سلباً على المواطن، وستصبح الحلول أصعب وأقسى.