القطبة المخفية في مساعي التأليف

عون تنازل عن بعض مطالبه.. ما السبب؟

.

فيما كان الجدل يتركّز في الفترة الماضية على المخاطر التي قد يواجهها البلد في حال وصلنا الى الفراغ الرئاسي بسبب تعذّر اجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها الدستوري قبل 31 تشرين الاول، انتقلت المخاوف الى مستويات أشد خطورة ترتبط بما قد يحدث في حال ساءت الامور اكثر وصولاً الى بقاء رئيس الجمهورية في قصر بعبدا، في تطوّر بدأ يُقلق الجميع، خصوصاً انه قد يتزامن مع استمرار الانهيار بشكل دراماتيكي، قد يجعل السيطرة على الوضع الامني أصعب بكثير مما هي عليه اليوم.

ورغم استمرار الرهانات في هذا المجال، خصوصا لجهة التأكيد ان الايحاءات التي يرسلها رئيس الجمهورية، او رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، لا تعدو كونها عملية ممارسة ضغط لفرض تشكيل حكومة مُرضية بالنسبة اليهما، الا أن ذلك لا يمنع ان القوى السياسية المعنية تشعر بالقلق، ولا تعتبر ان ما يجري مجرد ضغوطات.

والدليل، ان حزب الله الذي كان حتى الامس القريب يمارس دور المراقب والناصح عن بُعد في الملف الحكومي، بدّل موقفه، وقرّر وضع ثقله في عملية الدفع في اتجاه تشكيل حكومة جديدة. ولا شك في أن التغيير الذي طرأ على موقف الحزب، تحرّكه ثلاثة عوامل رئيسية:
اولا- ان الحزب بات مقتنعاً بأن الاستحقاق الرئاسي لن يُنجز في موعده الدستوري، وبالتالي فان البلد مُقبل على فراغ في الرئاسة ليس واضحاً بعد، اذا ما كان سيمتدّ لفترة طويلة.
ثانيا- ان اجواء مفاوضات النووي مالت بشكل كبير إلى احتمال الفشل النهائي، بما يؤشّر الى مرحلة تجاذبات اميركية-ايرانية، من البديهي انها ستنعكس على الساحات التي يتواجد فيها نفوذ ايراني، ومن ضمنها الساحة اللبنانية.
ثالثا- ان الحزب بات يشكّ في ان رئيس الجمهورية قد ينفذ تهديداته بالبقاء في قصر بعبدا بعد انتهاء الولاية في 31 تشرين الاول، في حال لم تتم تلبية مطالبه بتشكيل حكومة يرضى عنها مع القوى السياسية التابعة له.

هذه العوامل الثلاثة، وبما ان الحزب يعتبر ان المواجهة مع الاميركيين تفترض التفرّغ لهذا الامر، وتهدئة الجبهة اللبنانية الداخلية، فمن البديهي ان يقرر وضع ثقله في عملية تأليف الحكومة، أو على الأقل في عملية اعادة تعويم الحكومة القائمة، ومنحها الشرعية اللازمة، لقطع الطريق على أي تأويل قد يؤدّي الى بقاء عون في القصر، أو تحاشياً للتشنّج الذي سينشأ، في حال غادر القصر على مضض، وقرّر ان يواجه الحكومة من الرابية.

وفي هذا السياق، يرتبط حرص حزب الله على مغادرة عون بعبدا، أو ارضائه وهو مغادر، بالحرص على ابقاء التوازنات على ما هي عليه اليوم. فالحزب مرتاح لهذه التوازنات، وليس متحمساً لتغييرها في هذه الظروف. وعلى عكس ما يعتقد كثيرون، تعتبر قيادة الحزب ان نتائج الانتخابات النيابية الاخيرة أفقدتها ورقة الاكثرية، وبالتالي، لن يكون الحزب خاسرا في حال واصلت الحكومة الحالية ممارسة صلاحية الحكم في البلد في غياب رئيسٍ للجمهورية. فهذه الحكومة تعكس توازنات المجلس النيابي السابق، بما يعني ان الحزب لديه حصة وازنة في القرار داخل هذه الحكومة. فلماذا قد يكون متحمساً لتغيير هذا الواقع، ما دام البلد يمضي نحو الفراغ الرئاسي؟

من خلال ما يتسرّب من معلومات مستقاة من النقطة التي وصلت اليه جهود الحزب في تقريب وجهات النظر بين عون وميقاتي، يتبيّن ان عون تنازل عن بعض مطالبه. في المقابل، تنازل ميقاتي بدوره عن مطالبه السابقة، والتي حالت دون نجاح مساعي التأليف. وبذلك، تمّ إسقاط فكرة حكومة الثلاثين التي اقترحها رئيس الجمهورية على الرئيس المكلف. وتم إسقاط فكرة تغيير وزيرين يريد ميقاتي ان يختار بدائلهما.

هذا المناخ الاسترخائي نسبياً بين عون وميقاتي لا يزال يحتاج الى «دفشة» بسيطة لكي يصل الى خواتيمه السعيدة، من خلال اجراء تبديل وزاري وحيد في الحكومة يقتصر على وزير المهجرين، ليس لأن من يمثله هذا الوزير، وهو الامير طلال ارسلان، خسر مقعده النيابي، وبالتالي لم يعد يحق له في التمثيل في الحكومة فحسب، بل الأهم ان ميقاتي صار يعتبر انه على خصومة شخصية مع هذا الوزير الذي هاجمه علنا، ووجه اليه اتهامات بتهريب امواله، وما شابه.

هل يعني حصر المشكلة في تبديل مقعد وزاري واحد، ان الامور ستجد طريقها الى الحل قبل نهاية الشهر الجاري؟
يفترض انتظار اسبوع على الاقل لكي يعود ميقاتي من سفرتين، الاولى الى بريطانيا للمشاركة في جنازة الملكة، والثانية الى نيويورك للمشاركة في الجمعية العمومية للأمم المتحدة. وبعد العودة، لكل حادث حديث.