شوَيّة شحبار

.

وصف رئيس الحكومة المستقيلة السابق الأسبق المعتكف العائد المكلّف نجيب ميقاتي زاد الله طوله وماله، الغيمة السوداء الكثيفة التي “عفطت” في سماء ساحل كسروان مؤخراً، والتي استخرجها معمل الزوق الحراري من بطنه بما تيسّر له من خيرات دفينة نشرت على مدى سنين وسنين تشكيلة واسعة من الأمراض الخفيفة والخبيثة والمزمنة، وصفها دولته “بشويّة شحبار”. وأضاف -في جلسة مجلس النواب التي عُقدت لمناقشة وإقرار الموازنة العامة أجلّكم للعام 2022- بأن ردة الفعل على تلك الغيمة كانت مبالَغ بها، فهي أشبَه بالدخان الذي يخرج من سيارتنا عندما ندير محركها!

لحظة! هنا، اسمح لي دولة الرئيس ان استوقفك واستوضحك. أولاً، هل حقاً ان هذا ما يحدث لسيارتك؟ ثانياً، لماذا لا تأخذها الى ميكانيكي يفحصها؟ أعرف واحداً ألّاوياً شاطراً، يضعها لك على سكانر. ثالثاً، لماذا لا تشتري غيرها وتريّح رأسك؟ اسمع مني، هناك الكثير من الأسعار اللقطة هذه الأيام، وأنت شيخ العارفين. كنا لنقول لك ان تأخذها من الشركة، ولكن قصة الكاش مشكلة. لو في الأيام العادية كنا قسطناها على البنك. المهم اسمع مني، لا تهمل وضعها، تقطعك. سيارتك يجب ان تبقى يدك فيها. أخشى ان يكون قد طار معك الجوان كولاس!

واللافت انه، في خطابه الطويل المؤثر، ذي النفحات الدرامية الجياشة، والتي كانت دموعه مستنفرة طوال الوقت لأن تَفُرَّ في اية لحظة غدر، لولا رباطة جأشه، وعزمه الثابت المستفيض، تحدّث عن التصرف والتفكير بإيجابية في هذه المرحلة طالباً من الجميع بأن: لا تعظّموا الأمور ولا تكبروها.

حسناً دولتك، ولكن أنت أيضا لا تبسّط الأمور ولا تسخّفها، كأن تشبّه ما حدث مع الغيمة السوداء التي “عفطها” داخون معمل الزوق، بشخصٍ يدير محرك سيارته مثلاً. كام أون مان!

والمضحك المبكي أكثر هو ما تابع دولته الحديث عنه في هذا السياق عندما قال انه تم استدعاء مدير معمل الزوق الحراري الى المخفر، حيث طُلب منه توقيع تعهد بعدم تشغيل المعمل من جديد. نعم، كما تسمعون. فإنه لو صحّت خبرية التعهد تلك، فهذا يعني ان هذا التعهد وضع حداً لأمرين معاً. وَضَع حداً للحياة المهنية لمدير المعمل الذي كل شغلته ان يشغّل المعمل، كما وضع حداً للمعمل الذي كل شغلته أن يُشَغَّل.

الكهرباء، الكهرباء. يا لها من أمر عويص شائك. يا له من اختراع اكتُشف في أواخر القرن التاسع عشر ولا يعرف كيف يصل الينا بعد، او نصل اليه. يا له من مشروع استثماري ضخم، ولكن فارط بحيث انه كلفنا مليارات الدولارات الخضراء والنتيجة صفر طاقة، والنتيجة ظلم، وظلمة، وظلام. والنتيجة جيوب منفوخة في مكان ما، لأناس لا تنطفئ عندهم الكهرباء، ولا تنطفئ عندهم شعلة السرقة والسطوة والدجل. يا لها من أمور صعبة وعقيمة ان تُشكّل هيئة ناظمة على مدى 13 عاماً، او ان تُحسَّن الجباية، او أن يُرفع الدعم تدريجياً عن الفواتير.

وفي العودة الى خطاب المجلس، فقد استعرض دولته مختلف المشاكل والقضايا الشائكة التي تعاني منها البلاد دفعة واحدة. فشعرنا عندما سمعناه كأنه جديد في المصلحة، أو كأنه لم يأتِ الى القصر الا البارحة العصر. فأخذ يتحدّث عن المعاناة من قلة الوقت، وعن الضيق في المُهل الزمنية في كل شيء، وفي كل المعالجات. وأخذ يستعرض المشاكل التي نعرفها جميعاً، وأكثر منه، فنحن نعيشها ونعاني منها، أكثر منه. وأخذ يقترح على الجميع المساعدة للعمل يداً واحدة على الإنقاذ. وطلب من الجميع اقتراح الحلول. وهنا أخذ الشعب يتساءل عندما سمع هذا الكلام: إذاً هو وحكوماته ما شغلتهما تحديداً؟

ومن الدليل القاطع على عدم الشك بقبوله وتقبله الأفكار الأخرى واقتراحات الآخرين انه عندما قوطع خطابه ثلاث مرات للاستفسار عن ثلاثة حلول او محاولات حلول، كانت ردة فعله مع شيء من العصبية والانفعال، تعبّر ايضاً وأيضاً عن الضيق في الوقت، او عن قِصرٍ في المسافة الزمنية، وذلك عندما ردّ بشيء من اللؤم: أي يللا بُكرا منطبقها!

وكم بدا دولته ركيك الحلول عندما طرح حل “زيادة الرواتب ثلاثة شهور في شهر”، فساعده الرئيس بري على تصحيح صياغة الجملة “بثلاثة أضعاف الراتب” فوافق على الكلام.

وكم بدا دولته مثيراً للشفقة عندما حاول اشفاق قلوبنا على العسكري التعيس الفقير المسكين الذي يراه كل يوم في السراي، مقر عمله، ولا يقدر ان ينظر الى عينيه، ومعاشه كذا ولا يكفيه ولديه عائلة وكل هذه الدراما. لقد بدا مثيراً للشفقة لأن كل من سمعه من الشعب قال: طيّب أعطِه منك.

انها جمهورية الموز التي تدار بها الأمور بشتى أنواع الاعتباط والارتجال وعدم الدراية والتخطيط، وبقوانين رجعية متخلفة مطواعة مطاطة قابلة للاستنسابية والنتائج الخلافية.

نهنئكم يا سادة. فالكرة الأرضية تعيش في العام 2022 والتكنولوجيا تأكل الأخضر واليابس، والتطور يقضّ مضاجع العالم، وأنتم تعيشون وتعيّشوننا في مزرعة وتديرونها بفشل. لا زالت المزارع في دياركم عامرة.

ومن الأمثلة على المزارع والحياة السياسية الاعتباطية التي نعاني منها من سنوات وأجيال مثلاً، أن أحدهم اشترى ذات يوم منصب رئاسة مجلس النواب بأيام الرخص، وتمترس فيه، ولا يخرج منه لا بخلُوّ ولا بغير خلوّ، وما عطيتكش الإذن بالكلام. كما صادر مع شِقِّه الآخر حقيبة “المالية” الى غير رجعة. وشِقِّه الآخر اشترى ذات يوم حقوق الملكية الفكرية والعسكرية والاستراتيجية لقرارات الحرب والسلم، وما بينهما.

وهناك من استثمر في وزارة الطاقة والمياه والسدود المشققة، وجيّرها باسمه على مدى 13 عاماً قابلة للتجديد. ولولا العيب والحياء لسجلها في الدوائر العقارية على اسم زوجته، واضافها الى مجموعة عقاراته النفيسة التي ورث بعضاً منها عن جده -حين وجد اوراقها المغبرة فجأة عن طريق الصدفة على التتخيتة- ومجموعة أخرى كتبها باسمه أصحاب العقارات أنفسهم، والذين هم زبائنه في مكتب الهندسة الذي يملكه. حيث انه من المعروف ان درجت العادة هذه الأيام ان يكتب الزبون صاحب العقار عقاره باسم صاحب شركة الهندسة التي يتعامل معها.

وفي الختام.

يا سادة. يا أصحاب السلطة والتسلط والاستعباد. يا من تديرون البلاد وتهيمنون على العباد. يا من تزداد ثرواتكم كل يوم على حساب شعب مسكين مغلوب على أمره، وأنتم تمارسون الفحشاء، من خلال صفقات وسرقات وتمريرات. يا من جوّعتم وفقّرتم وقتلتم الآلاف، وتحاولون اليوم وكل يوم، الإيحاء بأنكم أنتم المنقذون، والذين تعملون على تحريرنا من دوامة الهلاك، والتي أنتم الذين وضعتمونا بها. جريمة بحجم تفجير المرفأ كان يجب أن تُدخل نصفكم الى السجون والنصف الآخر الى مزبلة التاريخ. وجريمة بحجم سرقة ودائع شعب بكامله وتبديد ماله ومدخراته في المصارف والتصرف بها، كان يجب أن تُدخل نصفكم الى السجون والنصف الآخر الى مزبلة التاريخ. ولكنهما لم تفعلان. فنحن لسنا من تلك البلاد. بلاد العالم.

يا سادة. أنتم يا هؤلاء. تعلمون ان يومكم قريب. وان الله رقيب. وانه سميع مجيب. وانه يُمهِل ولا يُهمِل. وانه سيحاسبكم إن في الأرض او في السماء.

يا سادة، باختصار. سوّد الله وجوهكم.. بشوية شحبار!