طريق الترسيم سالكة… خلال العهد أو بعده

في واشنطن الملف أخطر من أن يتم ربطه بحسابات تتعلق بالداخل اللبناني

.

هل يمكن فصل موضوع ترسيم الحدود البحرية عن الاستحقاق الرئاسي؟

وهل يمكن إنجاز الترسيم بمعزل عن النتائج التي أفضت اليها مفاوضات فيينا النووية؟

من خلال المسار الذي يتّبعه الجانب الاميركي في هذا الملف، يبدو ان واشنطن تتحرّك على اساس ان هذا الامر قابل للتحقيق، بما يعني انها مُطّلعة مسبقاً على الموقف الايراني الموافق على تسهيل الوصول الى اتفاق يتيح للعدو الاسرائيلي البدء في استخراج الغاز من حقل كاريش، كما يتيح للبنان بدء التنقيب في بلوكاته لاستخراج الغاز ايضا.
لكن نظرية موافقة ايران على الملف يدحضها البعض، ويعتبر ان واشنطن ليست مضطرة الى الحصول على موافقة ايران، بل يكفي ان تكون أوصلت رسالة الى طهران مفادها ان هذا الملف خط احمر، لكي تتصرف ايران على هذا الاساس. ويرى مؤيدو هذا الرأي، ان هناك ملفات كثيرة سبق وصنّفتها واشنطن كخط احمر، وتبين ان طهران تلتزم بعدم تجاوزه.

في كل الاحوال، وبصرف النظر عن التوصيف الذي يدفع الولايات المتحدة الى الوثوق بقدرتها على انجاز الترسيم، من الواضح ان الامور تمضي بسرعة نحو انجاز اتفاق نهائي بين لبنان والعدو الاسرائيلي. ومن خلال الاجواء المستقاة من المفاوضات التي اجراها نائب رئيس المجلس النيابي الياس بو صعب في نيويورك، ومن خلال الاجواء التي رافقت الاتصالات التي قام بها رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي على هامش اجتماعات الجمعية العامة في الامم المتحدة، يتبيّن أن الامور أصبحت قريبة جداً من خواتيمها السعيدة.
وفي هذا السياق، عكست التحركات الاستثنائية التي قام بها الوسيط الاميركي آموس هوكشتاين في نيويورك تصميم الادارة الاميركية على انجاز ملف ترسيم الحدود البحرية في اقرب وقت ممكن. وتحدثت معلومات عن توجيهات رئاسية تلقاها هوكشتاين من الرئيس الاميركي جو بايدن، بضرورة بذل أقصى الجهود لانجاز هذا الاتفاق.

هل يعني التصميم الاميركي على الترسيم، ان الامر سيتم قبل نهاية عهد الرئيس ميشال عون، ام ان ما يُشاع لجهة انتظار نهاية العهد، لئلا يستفيد من الانجاز فريق عون السياسي صحيح؟
من الواضح في هذا الموضوع أن الاولوية الاميركية لا ترتبط بحسابات الربح والخسارة المتعلقة بالعهد، وتعتبر واشنطن ان هذا الملف اهم وأخطر من أن يتم ربطه بحسابات سياسية تتعلق بالداخل اللبناني. وبالتالي، فان العمل على انجاز هذا الملف يجري بصرف النظر عن أي توقيت لبناني. وعندما سيصبح الاتفاق ممكناً، سيتم ابرامه بلا أي تأخير، ومن دون النظر الى حسابات سياسة النكد في لبنان.

وفي المعلومات ايضا، ان الفرنسيين متحمسين بدورهم لانجاز الترسيم انطلاقا من امرين:
اولا، الحاجة الى تسريع عمليات استخراج الغاز الاسرائيلي بهدف ضخّه خلال هذا الشتاء في اتجاه اوروبا.
ثانيا، مساعدة لبنان على البدء في التعافي من خلال الافادة من ثروته الغازية في اقرب وقت ممكن.
وفي هذا السياق، تلعب باريس دورا محفّزاً ومسهّلاً للاتصالات التي يقوم بها الوسيط الاميركي مع شركة توتال الفرنسية للحصول منها على ضمانات ببدء التنقيب في البلوكات اللبنانية بعد إنجاز الترسيم. ويبدو ان هذا الامر اصبح متفقاً عليه، وان توتال، وبدفعٍ من الاليزيه، تعهدت بتسريع بدء التنقيب في المياه اللبنانية بعد انتهاء الترسيم.

يُذكر هنا، وعلى خلاف ما كان يُشاع، لم تكن توتال متحمسة للتنقيب في المياه اللبنانية في المرحلة الراهنة، بدليل انها لم ترصد في ميزانيتها المخصصة لعمليات التنقيب حول العالم في السنوات المقبلة، مبلغا للتنقيب في المياه اللبنانية. وتخوف البعض من ان تأخذ توتال مسألة انسحاب «نوفاتك» الروسية من الكونسرتيوم كذريعة لوقف التنقيب، على اعتبار انه لا يمكن قانونياً استمكال عمل الكونسرتيوم، عندما ينسحب منه شريك يمتلك 20% من الحصص. لكن، ما جرى قبل ايام لجهة إقدام وزارة الطاقة اللبنانية على توجيه كتاب الى شركة «نوفاتك» الروسية، تطلب منها التنازل الجبري عن حصتها للدولة اللبنانية، يعكس التصميم على تجاوز هذا العائق باقصى سرعة ممكنة. ولا توجد مؤشرات توحي بأن «نوفاتك» تنوي المعاندة في هذا الملف، او محاولة العرقلة، بما يوحي ايضا بأن موسكو لن تقف عائقا في وجه انجاز الترسيم، بما يعني ان طريق انجاز هذا الملف سالكة من حيث المبدأ، بانتظار التوقيع النهائي الذي يقول البعض انه سيتم في خلال ايام، وليس اسابيع.

وبالانتظار، يبقى الحذر سيد الموقف، خصوصا ان متتبّعين للملف تحدثوا عن أفخاخ اسرائيلية في المقترحات الاخيرة. والمواطن اللبناني في هذه المرحلة يراقب وينتظر، ولسان حاله ما كان يردّده رئيس المجلس نبيه بري، والذي كان له اليد الطولى في ايصال هذه المفاوضات الى مرحلة متقدمة، «ما تقول فول تيصير بالمكيول» .