مخاطر الموازنة ستظهر في العام 2023

خفّضت الحكومة العجز الى 10 آلاف مليار ليرة بذريعة انها اكتشفت ايرادات اضافية

.

لا يختلف اثنان على ان موازنة العام 2022، التي أقرّها المجلس النيابي في 26 ايلول الجاري، لا علاقة لها بالوظيفة التقليدية لأي موازنة تضعها الحكومات، او حتى الشركات والمؤسسات. فهي موازنة الثلاثة اشهر لا غير.

كذلك، وبصرف النظر عن التوقيت، وهو أساس المشكلة التي تجعل من الموازنة مشروعاً غير ذي قيمة حقيقية، فإن المضمون جاء ضعيفاً وخالياً بطبيعة الحال من الاجراءات الاصلاحية، ومن المشاريع الاستثمارية. ولعلّ المشهد الكاريكاتوري الذي اختتمت به المناقشات، كان ذلك المتعلق بحجم العجز المقدّر بـ16 الف مليار ليرة. اذ، وفي خلال ساعتين خفّضت الحكومة العجز الى 10 آلاف مليار ليرة، بذريعة انها اكتشفت ايرادات اضافية لم تتنبّه لها في البداية! هذه الخفة في مقاربة ملف الأرقام يعطي فكرة عن اسلوب تفكير الحكومة في ادارة الشأن العام. واذا صدقنا ان وزارة المالية لم تفقه للايرادات الاضافية المتأتية من تغيير تسعيرة الدولار في رسوم المطار، ولم تلاحظ ارتفاع مداخيل الاتصالات الخليوية نتيجة تعديل اسعار التعرفات، فهذه مصيبة لا يمكن تبريرها. وتصبح المصيبة اكبر اذا اعتبرنا ان المالية كانت تدرك وجود هذه الايرادات لكنها لم تلحظها في الموازنة، لسبب او لأخر.

في مطلق الاحوال، صار واضحا ان التركيز ينبغي ان يكون على موازنة 2023، وهذا ما أشار اليه صندوق النقد الدولي، الذي كان البعض يعتبر انه قد يعترض على هذه الموازنة الصورية وغير الواقعية وغير الاصلاحية، ولكنه لم يفعل انطلاقا من إدراكه ان المطلوب هو العودة الى الانتظام الدفتري، من خلال وجود موازنة، ولئلا يعود البلد الى النمط الذي كان سائداً طوال 11 سنة، حيث بقيت الدولة بلا موازنات. وما أثار مخاوف صندوق النقد، ان العام 2021 لم يشهد ولادة موازنة، ولو مرّ العام 2022 بلا موازنة ايضا، لأصبحت الامور اكثر صعوبة.

ومن الواضح ان قيمة العجز المالي المقدّر في موازنة 2022 قد يرتفع اكثر من 10 آلاف مليار ليرة، لكن النقطة الساخنة في هذا العجز لا تتعلق بقيمته النهائية فحسب، بل بالطريقة التي سيتم من خلالها تغطية هذا العجز. اذ بات معلوماً ان الدولة لم تعد قادرة على الاستدانة من الاسواق الخارجية، والمصارف لم تعد قادرة على إقراضها، ومصرف لبنان الذي لديه فجوة مالية بحوالي 72 مليار دولار، أصبح لا يملك سوى بضعة مليارات مما تبقى من اموال المودعين، فكيف سيتم سدّ العجز؟
في الاجابة على هذا السؤال، يقول رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي ان صندوق النقد تعهد سدّ العجز في الموازنة في حال الوصول الى اتفاق على برنامج تمويل معه.

صحيح ان رئيس المجلس نبيه بري لم يعجبه هذا الكلام، واعتبره ضغطا على المجلس، وقال لميقاتي ان المجلس لا يعمل تحت الضغط، وبالتالي طلب شطب كلام ميقاتي من محضر الجلسة، إلا أن هذا الموقف الذي اعتبره البعض استعراضياً، لا يغيّر في حقيقة ان الحكومة لا تمتلك وسيلة لتغطية العجز سوى في طباعة المزيد من العملة. وهذا يعني ببساطة تسريع وتيرة الانهيار في سعر صرف الليرة، والانتقال ربما من الخمسة ارقام في سعر الليرة الى ستة ارقام. ويدخل البلد في مرحلة جديدة من التضخّم المفرط الذي سيؤدّي الى إلتهام قيمة الاموال الاضافية التي اقرّتها الموازنة لرواتب موظفي القطاع العام، المدني والعسكري. وبذلك، يكون الاقتصاد قد دخل فعليا فيما يُعرف في الأزمات المالية والاقتصادية بالحلقة المفرغة، التي تصبح معها كل الخطوات تؤدي الى مكان واحد: المزيد من التضخّم الناتج عن مواصلة انهيار قيمة النقد الوطني.

ما هو خطير في هذا الوضع الحسّاس، ان تحاشي التضخّم المفرط يحتاج الى انجاز الاتفاق النهائي مع صندوق النقد الدولي. وهذا الاتفاق لا يمكن ان يحصل من دون تنفيذ البنود الاربعة التي رست عليها المحادثات الاخيرة التي قام بها وفد الصندوق خلال تواجده في بيروت في منتصف ايلول 2022. هذه البنود لا يستطيع استكمالها المجلس النيابي قبل تحوله الى هيئة ناخبة لا يحق له التشريع. وبالتالي، ينبغي انتظار انجاز الانتخابات الرئاسية لكي يعود الانتظام الى العمل التشريعي، ويمكن عندها تمرير البنود وتمرير موازنة 2023 الاصلاحية، كما يريدها صندوق النقد. لكن من يستطيع ان يجزم بأن الاستحقاق الرئاسي سيُنجز فعلا في وقت قريب؟

هذا هو التحدّي المُقلق، والذي يجعل البلد في مرحلة مجهولة، بانتظار الاتجاه الذي سيسلكه ملف استحقاق رئاسة الجمهورية.