الهجرة غير الشرعية أو الالتحاق بداعش.. خيارات متاحة دون سواها لشبان الشمال

الاعصار الاجتماعي سيضرب اذا لم تنفذ مشاريع انقاذية طارئة..

.

تركت كارثة قارب الموت الذي تحطمت أحلام مهاجريه على شواطىء طرطوس الكثير من المآسي التي تجمعت جثثا وقضاء على عائلات بأكملها ومقتل أطفال ونساء ورجال وقعوا فريسة تجار موت وجشعهم واجرامهم.

لكن الكارثة تشير الى مآس أبعد مما جرى في القارب نفسه وترفع الستارة مجددا عن مخاطر كبيرة تتصل بمؤشرات اجتماعية قد تقود الى مشاهد عنيفة وخطيرة. ليست هذه المأساة منعزلة بل سبقتها مآس كثيرة علق فيها المهاجرون في عرض البحر وعاشوا ساعات واياما من الرعب قبل أن ينقلوا الى معتقلات ومخيمات في بلدان لم يقصدوها أصلا.

مضمون ظاهرة الهجرة غير الشرعية يقول إن عائلات كثيرة لم يعد أمامها سوى خطر البحر والموت للهروب من واقع اقتصادي ومعيشي خطير.
من يدرس خريطة انتشار النقاط والمناطق الأكثر استهدافا للهجرة غير الشرعية يجد أن طرابلس والمناطق المحيطة بها والقريبة وصولا الى عكار ومرورا بالمخيمات الفلسطينية في البداوي والبارد واقعة بقوة تحت تأثير هذه الشبكات ولدى الكثير من أبنائها خصوصا في المناطق الشعبية الأكثر فقرا ميلا قويا ورغبة في سلوك هذا الطريق المحفوف بالمخاطر والموت.

هذه الرغبة القاتلة تقود بدورها الى التنبه بسرعة الى أن هذه المناطق هي الأكثر فقرا والأكثر حرمانا ومتروكة منذ سنوات طويلة من دون خطة انمائية واقتصادية ومن دون مشاريع تنموية تؤمن فرص عمل وصمود لهؤلاء في مناطقهم. وجاءت الأزمة الاقتصادية التي ضربت كل لبنان لتضيف الى الأزمة ازمات والى الفقر درجات خطيرة. فطرابلس هي بالأصل مصنفة باكثر المدن على البحر المتوسط فقرا وبدل أن تمنح أولوية في الانماء تحولت الى صندوق بريد سياسي وأمني وعلى أرضها وقعت جولات قتال بين جبل محسن وباب التبانة أورثت شبابها الكثير من المشاكل الأمنية والقضائية. اما تداعيات الازمة السورية وصراع المحاور فانعكس بدوره على العديد من شبابها الذين انخرطوا مع تنظيمات ومجموعات للقتال في سوريا.

بقيت المدينة تعيش الصراعات السياسية من دون تنفيذ خطة ومشاريع حقيقية بعضها موجود اصلا لانقاذ شبابها وعائلاتها من الفقر الذي يتلاقى اليوم مع غياب أبسط المقومات من مياه وكهرباء. المناطق القريبة في المنية والضنية وعكار ليست أفضل حال وبعض النقاط فيها توازي بعض احياء طرابلس فقرا. هذا الجزء الكبير من الشمال لم تنفذ المشاريع الانمائية المعدة له والتي كان بامكانها أن تؤمن آلاف فرص العمل. بين طرابلس وعكار مخيمان فلسطينيان في البداوي والبارد كانا يعيشان في الفقر والحرمان وجاءت الأزمة لتدمر الكثير مما كان قائما أصلا فبات الكثير من العائلات يسعى الى هجرة غير شرعية ولو محفوفة بالمخاطر على قاعدة «ميتين ميتين».

هذا التوصيف لواقع المنطقة المستهدفة بقوارب الهجرة غير الشرعية لم تكتمل خطورته بعد لأن الأسباب التي تدفع انسانا الى رمي نفسه في البحر مع اطفاله وعائلته وبيع كل ما يملك والوصول الى الموت وعيش أيام من الرعب قد تدفع على الأراضي اللبنانية الى انفجار اجتماعي قد تختلف أشكاله مع مرور الوقت. الاخطر من ذلك ان الوقائع في العام الماضي تشير الى خلايا لتنظيم داعش لا تزال ناشطة وتتربص بشباب من طرابلس والضنية وعكار وتمكنت من تجنيد العشرات للانتقال الى العراق وقد وصل خبر مقتل العديد منهم الى عائلاتهم. التجنيد واضافة الى التجييش والتحريض المعتمدين يستند أيضا الى الواقع الاجتماعي المعيشي نفسه الذي يؤدي الى سلوك طريق الهجرة غير الشرعية.
مع هذا التوصيف لحقائق ما جرى ويجري ثمة واقع يشير الى أن فشل الحكومات المتعاقبة وصراعات السياسة وحرمان طرابلس وعكار والضنية والمنية من الانماء الحقيقي وفرص العمل قد وضع عددا من العائلات بين خيار الهجرة غير الشرعية والموت في البحار وبين خيار التجنيد لصالح داعش. والى جانب الخيارين الفقر وارتفاع نسبة الاشكالات وعمليات السلب والسرقة والجرائم.

دائرة المصابين بواقع اجتماعي ومعيشي واقتصادي خطير اتسعت ولا تزال تتسع والأحياء الأكثر فقرا في الشمال قد تكون قنبلة اجتماعية موقوتة في حق نفسها اولا اذا لم ينزل ساسة هذا البلد الى أرض الواقع وتعمل الحكومات في شكل طارىء وانقاذي على دعم هذه المجتمعات الأكثر فقرا وضررا وتهميشا وحرمانا وتنفيذ مشاريع لانقاذ ما تبقى قبل فوات الأوان. فالحلول لا تكون امنية وعسكرية دائما بل يجب ان تكون انمائية واقتصادية واجتماعية ومعيشية أولا. فعندما تسد أخطر خيارات هذه العائلات وتفشل في البحر والبر يصبح اتجاه قوارب الاعصار الاجتماعي غير معروف زمانا على الأقل.