عون يُعرّي الحكومة قانونياً… المرحلة غامضة

هل سيوافق الصندوق على التوقيع من خلال حكومة مستقيلة؟

.

سؤالان اساسيان مطروحان في الشارع اللبناني اليوم: كيف ستكون الحقبة التي ستتولى فيها حكومة تصريف الاعمال صلاحيات رئاسة الجمهورية، وتولي السلطة التنفيذية؟ وما هي المدة التي قد يستغرقها الفراغ قبل التوصّل الى تفاهم لانتخاب رئيس جديد للجمهورية؟

لا شك في ان اطلالة رئيس الجمهورية التلفزيونية قبل 3 أيام من مغادرته قصر بعبدا، تضمّنت ملامح توحي بالتصعيد المتوقّع اذا لم يتم تشكيل حكومة جديدة. وحتى الآن، كل المعطيات تشير الى أنه يصعب، وربما يستحيل التوصّل الى اتفاق على حكومة جديدة. كما أن مسألة تعويم الحكومة القائمة، لم تجد طريقها الى الاتفاق بعد. وبالتالي، المعطيات توحي بأن عون سيغادر ويترك خلفه حكومة تصريف اعمال. لكن رئيس الجمهورية رفع سقف التحدّي في اطلالته من خلال تأكيده انه سيوقّع مرسوم استقالة الحكومة قبل أن تنتهي فترة ولايته.
وهذا يعني ان المواجهة بين فريق رئيس الجمهورية وحكومة ميقاتي ستكون قاسية. خصوصاً أن عون سيجرّدها من مرتكز قانوني مهم من خلال تحويلها إلى حكومة قُبلت استقالتها، ولم تعد قائمة قانونياً سوى من خلال حتمية ملء الفراغ. وستصبح الحكومة بلا ثقة نيابية بعد توقيع مرسوم استقالتها، بما سيُصعّب مهمة الدفاع عن صلاحياتها الكاملة في غياب رئيسٍ للجمهورية.

وكان واضحاً من الاسلوب الذي استخدمه عون في اعلان هذا القرار (توقيع الاستقالة) انه أراد إبقاء مجال التفاوض مفتوحاً حتى الدقائق الأخيرة من ولايته، بما يسمح للجميع بمراجعة مواقفهم، سيما حزب الله الذي اضطلع بدور اساسي في محاولة تقريب وجهات النظر، لمنع التصادّم بعد 31 تشرين الاول الجاري.

تبقى المشكلة في هذا الموضوع مرتبطة بالمشهد العام في البلد. اذ أن حكومة مقبولة استقالتها وموقّعة من رئيس الجمهورية، وتتعرّض في هذه الاثناء للانتقادات والهجمات التي سيشنها عليها التيار الوطني الحر، برعاية عون، ستكون عاجزة عن المضي قدماً في تنفيذ الخطوات الحيوية للانقاذ. وهناك لائحة طويلة من الاستحقاقات التي تفترض وجود حكومة مُعترف بها من قبل كل الاطراف، لتكون مقبولة خارجياً، ويتم التعاون معها على هذا الاساس. ومن أهم هذه الخطوات، استكمال الاجراءات المرتبطة بمرحلة ما بعد الترسيم البحري. اذ أن الفرنسيين الذين تعهدوا عبر شركة «توتال» البدء فوراً في عمليات التنقيب في البلوك رقم 9 سيصطدمون بواقع عملاني يعرقل هذه العملية، من خلال التشكيك بصلاحية الحكومة القائمة في توقيع القرارات والاجراءات الضرورية لتسهيل العمل. وهنا يُطرح السؤال، اذا ما كانت باريس ستتجاوز هذا المطب، وستدفع «توتال» في اتجاه القبول بتوقيع حكومة مستقيلة. كذلك ستبرز الاشكالية نفسها في ملف الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، حيث سيكون مطلوباً توقيع الاتفاق النهائي على برنامج تمويل. ومن المعروف ان الصندوق يفضّل توقيع الاتفاقيات المُصنّفة آمنة من الوجهة القانونية والسياسية. لذلك يسعى الصندوق الى محاولة تأمين إجماع سياسي على الاتفاقيات التي يوقّعها في البلدان التي توجد فيها تجاذبات سياسية حادة. وهو يفضّل على سبيل المثال، انتظار الاستحقاقات السياسية، مثل الانتخابات النيابية او تشكيل الحكومات قبل توقيع اي اتفاق نهائي مع الدولة المعنية.

في هذه الحال، هل سيوافق الصندوق على توقيع برنامج تمويلي مع لبنان من خلال حكومة مستقيلة؟

هذه الاشكاليات قد تدفع الى الاعتقاد ان الجهود التي ستُبذل في الايام الثلاثة المتبقية من ولاية عون، ستركّز على محاولة تعويم الحكومة القائمة، على اعتبار ان مشروع تأليف حكومة جديدة يحتاج الى وقت أطول لم يعد متوفراً.
في الجانب الآخر من المشكلة المتوقّعة، لم تبرز حتى الآن معطيات تسمح بتقدير الفترة الزمنية التي قد يستغرقها الوصول الى اتفاق لانتخاب رئيسٍ للجمهورية. وقد سقطت محاولات عقد حوار في الخارج، بعد سقوط العشاء السويسري، وحلّت محلها مبادرة رئيس مجلس النواب نبيه بري، من خلال الدعوة الى حوار داخلي تكون مسألة الاتفاق على انتخاب رئيسٍ للجمهورية، مادة البحث الوحيدة فيه. لكن الموقف المُنتقد الذي سجله رئيس الجمهورية، أوحى بأن نجاح مبادرة بري لن تكون مضمونة، وقد تتحول طاولة الحوار الى مشروع آخر لتمديد الفراغ، من خلال تعبئة الوقت بالنقاشات التي ستكون عقيمة، اذا لم تتوافر دوافع مُقنعة للأطراف المتحاورة، على طريقة الدوافع التي توافرت لمشروع ترسيم الحدود البحرية، ومن ضمنها توافر اتفاق خارجي على الملف.

المرحلة المقبلة بكل تفاصيلها لا تزال غامضة، ولو أن البعض يؤكد ان الرعاية الدولية التي أوصلت الترسيم الى نهاياته السعيدة، ستكون حاضرة في ملف إنجاز الاستحقاق الرئاسي في اسرع وقت ممكن.