الفراغ صار فراغين.. فمن يحكم البلد بعدما انتهى حكم ميشال عون؟

الاشتباك الدستوري والطائفي ليس جديداً.. لكن البلد اليوم غارق

.

وقع المحظور، وغادر رئيس الجمهورية ميشال عون بعبدا قبل يوم واحد من انتهاء ولايته الرئاسية بحفل شعبي من بعبدا إلى الرابية، بعدما وقّع مرسوم قبول استقالة حكومة نجيب ميقاتي، تاركاً البلاد في فراغين دستوريين: فراغ الرئاسة وفراغ الحكومة. وأرسل الرئيس عون رسالة إلى مجلس النواب عبر رئيس المجلس اعتبر فيها أن «حكومة فقدت سلطتها الدستورية إنما هي حكومة فاقدة الشرعية الشعبية وبالتالي الشرعية الدستورية والميثاقية» وأن «الرئيس المكلّف يرفض تأليف حكومة جديدة بقرار سياسي منه فيؤبّد حالة التصريف ويفاقم الفراغ ويسطو على رئاسة الجمهورية المعقودة بميثاق العيش المشترك لسواه» . طالباً من مجلس النواب» وجوب اتخاذ الموقف أو الإجراء أو القرار المناسب لمنع الأمور من الانحراف الى ما ليس في مصلحة البلاد» . واضاف الرئيس عون أن «على دولة الرئيس المكلّف ان يعتذر، لكي يصار فوراً إلى تكليف سواه وإصدار مراسيم التشكيل فور ذلك تجنّباً للفراغ – هذا اذا لم يبادر مجلسكم الكريم إلى نزع التكليف، فيما هو من أعطاه إيّاه» .

رد الرئيس نجيب ميقاتي جاء فورياً وقال عبر بيان إن «الحكومة ستتابع القيام بواجباتها الدستورية كافة ومن بينها تصريف الأعمال وفق نصوص الدستور والأنظمة التي ترعى عملها وكيفية اتخاذ قراراتها المنصوص عنها في الدستور وفي المرسوم رقم ٢٥٥٢ تاريخ ١-٨-١٩٩٢ وتعديلاته (تنظيم أعمال مجلس الوزراء) ما لم يكن لمجلس النواب رأي مخالف» . واعتبر ميقاتي أن «المرسوم الذي قَبِل استقالة الحكومة، المستقيلة أصلاً بمقتضى أحكام الدستور، يفتقر إلى أي قيمة دستورية» .

إشتباك دستوري وربما طائفي لن يكون الأول في لبنان، لكن الجديد اليوم أن البلد غارق حتى أذنيه في المشاكل المتراكمة. فماذا يقول الدستور في هذا المجال؟ يرى الخبير الدستوري والباحث الجامعي الدكتور عمر شحادة أن توقيع رئيس الجمهورية ميشال عون مرسوم قبول استقالة الحكومة الذي جرى بتاريخ الثلاثين من تشرين الأول ٢٠٢٢ هو حق دستوري يدخل من ضمن صلاحياته ، ولكن هذا الحق يرتبط بتشكيل الحكومة الجديدة وإصدار مراسيمها فوراً. وفي الوضع المستجد اليوم، الذي لم يتم فيه تشكيل الحكومة، يكون هذا المرسوم من قبيل «لزوم ما لايلزم» ولا يترك أي أثر دستوري على الإطلاق، لان الممارسة السياسية منذ اتفاق الطائف أنشأت عرفاً دستورياً ملزماً عمل بموجبها كل رؤساء الجمهورية منذ اتفاق الطائف قضت باتباع الأمور الآتية:
أولاً: عندما يتم الانتهاء من تأليف الحكومة الجديدة يتم إصدار ثلاثة مراسيم دفعة واحدة
ثانياً: يصدر رئيس الجمهورية مرسوماً يوقعه منفرداً بقبول استقالة الحكومة.
ثالثاً: يصدر رئيس الجمهورية مرسوماً يوقعه منفرداً بتسمية رئيس الحكومة.
رابعاً: في موضوع تشكيل الحكومة الجديدة، يوقع هذا المرسوم مع رئيس الحكومة.

يرى الدكتور شحادة أنه في حالتنا الراهنة، فإن حكومة تصريف الأعمال هي المرجع الصالح لاستلام صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة وذلك وفقاً للمادة ٦٢ من الدستور اللبناني التي تنص على الآتي: «في حال خلو سدة الرئاسة لأي علة كانت، تناط صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة بمجلس الوزراء» . ويشرح أن الدستور لم يميز في هذا النص بين حكومة عادية مكتملة المواصفات وحكومة تصريف الأعمال. ولو شاء أن يميز بينهما لكان نص على ذلك صراحة.
ويعتبر أن الأنظمة الدستورية في العالم تأبى الفراغ، لأنها تناقض استمرارية السلطات الدستورية واستمرارية المرافق العامة الذي أصبح مبدأ دستورياً على ما ورد في قرارات المجلس الدستوري.
ويصل شحادة إلى القول إن «توقيع المرسوم اليوم شكل سابقة لا يمكن الاعتداد بها لأنها تخالف العرف الدستوري الذي يوازي النصوص الدستورية» .

ماذا سيبحث مجلس النواب في اجتماعه القريب لتفسير رسالة رئيس الجمهورية؟
بحسب المادة ١٤٥ من النظام الداخلي لمجلس النواب المضافة في الجلسة العامة المنعقدة بتاريخ ١٠ و١١ شباط عام ١٩٩٩ ، فإنه عندما يرغب رئيس الجمهورية بتوجيه رسالة إلى مجلس النواب عملاً بأحكام الفقرة ١٠ من المادة ٥٣ من الدستور ، وإذا كانت الرسالة موجهة بواسطة رئيس المجلس، فعلى الأخير أن يدعو المجلس للانعقاد خلال ثلاثة أيام لمناقشة مضمون الرسالة واتخاذ الموقف أو الإجراء أو القرار المناسب.

وفي الحالة الدستورية والسياسية الراهنة، تقول مصادر دستورية إن الدستور ألزم المجلس بمناقشة الرسالة في الهيئة العامة للبرلمان لما لها من «قيمة معنوية» ولكنها في الوقت نفسه «غير ملزمة للمجلس في مضمونها، وبالتالي يحق للمجلس النيابي أن يأخذ القرار أو الموقف او الإجراء الذي يراه مناسباً في هذا الموضوع» . وترى المصادر أن الموقف الذي سوف يتخذه البرلمان من مضمون رسالة رئيس الجمهورية سيكون منسجماً ومتوافقاً مع الأحكام الدستورية. والدستور ينص على عدم إقالة الحكومة المستقيلة أصلاً. مع العلم أنه لا نص دستوري ينص على طلب اعتذار رئيس الحكومة المكلف، إلا إذا تقدم هو بالاعتذار.

أما فيما يتعلق برسالة رئيس الحكومة إلى رئيس المجلس النيابي، فلا نص دستوري يلزم المجلس بدراستها والرئيس ميقاتي يعلم ذلك، لكنه أرسل الرسالة بشكل توضيحي للنواب ورئيس المجلس والشعب اللبناني ولكل من يعنيهم الأمر.

خلال ثلاثة أيام، سيعتبر المجلس النيابي في جلسته المنتظرة أن الدستور يغلب الخلافات السياسية والشخصية، والبلد لا يحتمل الفراغ الدستوري، حكومة نجيب ميقاتي الحالية ستأخذ صلاحيات رئيس الجمهورية مؤقتاً، حتى انتخاب رئيس أصيل وتأليف حكومة أصيلة.