اشكالية اعادة الودائع: الحل موجود فمن يجرؤ؟

ينقذ المودعين الشرفاء ويعاقب سارقي المال العام ويُحسّن سمعة البلد

.

بات واضحاً أن ملف اعادة الودائع يشكّل النقطة العالقة في المفاوضات التي يخوضها الجانب اللبناني مع صندوق النقد الدولي. وبات واضحاً ان الصندوق هو الجهة التي تتصدّى لأي مشروع يريد ان يأخذ في الاعتبار مسألة ضمان عدم ضياع الودائع. هذا الموقف لا يستند الى عدائية يكنّها الصندوق للمودعين الكبار منهم والصغار، بل بسبب المعايير الثابتة التي يعتمدها في مفاوضاته مع كل البلدان التي تلجأ الى خدماته. من ضمن هذه المعايير ما يُعرف برفض تثقيل الاقتصاد بأية التزامات قد تعيق نموه، وتعيق بالتالي نجاح خطة الانقاذ.

انطلاقاً من هذا المعيار، يرفض صندوق النقد كل الاقتراحات التي تُقدّم له حالياً من قبل الجانب اللبناني، والتي تتضمّن اجراءات، الهدف منها اعادة الودائع، ومن ضمنها طبعاً الودائع المصنّفة كبيرة.

ورغم أن الجانب اللبناني اعتمد اقتراحات من شأنها ان تشطب ما مجموعه نصف الودائع، من خلال تصنيفها على اساس انها مطابقة او غير مطابقة، ومع ذلك لم تفلح هذه المحاولات، حتى الان على الأقل، في تطرية موقف الصندوق.

ومن خلال القاء نظرة على المقترح اللبناني الرسمي، يتبيّن ان تصنيف الودائع لم يكن وفق معيار عادل. اذ تريد الحكومة ان تلغي حق المودعين الذين حوّلوا ودائعهم من الليرة الى الدولار بعد 17 تشرين الاول 2019. وتقترح ان تُعاد هذه الودائع الى أصحابها على سعر صرف خاص من شأنه ان يؤدي الى هيركات تقارب نسبته الـ70%. وهي بذلك تريد أن تتخلص من حوالي 30 مليار دولار. والسؤال المطروح كيف تسمح الحكومة لنفسها باقتراح من هذا النوع، طالما ان المصارف نفسها وافقت على تحويل هذه الارصدة بالليرة الى الدولار. كذلك تنبغي الاشارة الى ان اصحاب هذه الودائع تعرضوا لعملية خصم كبيرة على الفوائد التي كانت تحق لهم. كما جرى تجميد ودائعهم بلا فوائد نتيجة موافقة المصرف على التحويل. وكذلك لم يستطيعوا ان يستفيدوا من التعميم 158 لسحب قسم من وديعتهم، تماماً كما لم يتمكنوا من سحب اموال بالليرة لشراء الدولارات من السوق السوداء. كل ذلك يعني انهم تعرّضوا لخسائر قبلوا بها لقاء تحويل اموالهم الى الدولار. فهل يحق للحكومة ان تقترح بعد ذلك اعادة هذه الودائع الى الليرة؟

كذلك، تقترح الحكومة، في محاولة لاقناع صندوق النقد بفكرتها، شطب نسبة كبيرة من الفوائد المرتفعة على الودائع الدولارية التي استفاد اصحابها على مدى سنوات من بنية اسعار فوائد مرتفعة. لكن، هنا ايضاً يُطرح السؤال، هل تجوز معاقبة المودع لأنه اختار هذا النوع من الاستثمار، بدلاً من اي استثمار آخر لو قام به بواسطة امواله لحقّق عائدات قد تفوق ما حصل عليه من فوائد؟

في كل الاحوال، كل هذه الوسائل والمواربة المعتمدة، لم تُجدِ نفعاً حتى الان مع صندوق النقد. والسؤال المطروح، لماذا لا تتجه الحكومة الى النوع الآخر من التصنيف، وتقترح التفرقة بين الودائع على اساس ما هو شرعي وما هو مشبوه. اذ صار معروفاً ان قسماً كبيراً من الودائع مصدره الفساد. أي انه مال مسروق، سرقه اشخاص مكشوفون على الشأن العام، وهو مال عام يملكه الشعب اللبناني، وقد أودعوه في حساباتهم المصرفية. فلماذا لا يتم الفرز على هذه الاساس، ويُطلب من المودعين المكشوفين على الشأن العام (PEP’s) أن يُثبتوا شرعية اموالهم لكي يتمّ ضمّها الى لائحة الودائع التي ستتم اعادتها الى أصحابها. هذه هي الطريقة الوحيدة العادلة نسبياً في تصنيف الودائع. وهذا النوع من الفرز قد يُقنع صندوق النقد بالموافقة على خطة لاعادة الودائع كاملة الى اصحابها.

وهنا يدّعي البعض، ان فرزاً من هذا النوع لا يحلّ المشكلة، على اساس ان حجم هذه الودائع المشبوهة قد لا يكون كبيرا كما قد يتراءى للمراقبين. لكن الوقائع تدحض هذه النظرية، انطلاقاً من ان المكشوفين على الشأن العام كانوا أشدّ حذراً من سواهم في نقل أموالهم الى الخارج، لأنهم يخشون مصادرتها في الدول التي تدقّق بمصادر الاموال، في حين انهم كانوا يعتبرون انها آمنة اكثر في النظام المصرفي اللبناني، حيث السرية المصرفية تشكّل جنّة ضريبية مناسبة لتخبئة الاموال الوسخة. لذلك، ينبغي النظر الى هذا الحل، على اساس انه ينقذ المودعين الشرفاء، ويعاقب سارقي المال العام، ويُحسّن سمعة البلد في الخارج. انهم 3 عصافير في حجر واحد، فهل من يجرؤ على خطوة من هذا النوع؟