خطة التعافي عالقة: شطبُ الأموال ليس مزحة

.

بات واضحاً ان الأزمة المالية وصلت الى مرحلة دقيقة ليس من السهل تجاوزها. وإذا كان قانون السرية المصرفية، قد استغرق كل هذا الجدل، وكاد لا يمر لولا الضغوطات الهائلة التي مارسها صندوق النقد الدولي، فان السؤال المركزي كيف سيتمّ تمرير خطة التعافي، والتي صار معروفاً انها ستقضي على القسم الاكبر من الودائع، وقد تجرف في طريقها القطاع المصرفي الذي قد يصبح غير قابل للحياة، اذا ما تمّ اعتماد اسلوب شطب المطلوبات المتوجبة على مصرف لبنان حيال القطاع.

وقد صار واضحاً ايضاً أن السيناريو الوارد في الخطة الحكومية، ينصّ على تسلسلية في شطب الأموال تبدأ برساميل المصارف التي تبلغ حوالي 21 مليار دولار، ومن ثم سندات الدين وودائع الاطراف ذات الصلة.

وهنا تبدو الاشكالية معقدة اكثر من حيث النقاط التالية:
اولا- شطب رساميل المصارف سيؤدّي نظرياً الى خلل دفتري في وضعية ملاءة المصارف، لكنه لن يوفّر اموالا حقيقية يمكن استخدامها. بمعنى ان قسماً كبيراً من الرساميل تصل نسبته الى حوالي 73% مودعٌ بالليرة. وكما هو معروف فإن الليرة فقدت حوالي 96% من قيمتها. والمبلغ المتبقي مودعٌ بالدولار المحلي، أي ما يُعرف باللولار، بما يعني حوالي 20% من قيمة المبلغ الاسمي. وهذا يجعل المجموع العام الحقيقي لرساميل المصارف يساوي حوالي 3 مليار دولار فقط.
ثانيا- ان شطب سندات الدين بالليرة لا يفيد الخزينة سوى بنسبة ضئيلة. في حين، اذا كان المقصود ايضا شطب سندات اليوروبوند، فان محفظة المصارف تحتوي على حوالي 15 مليار دولار كحدٍ أقصى. وقد تدنّت قيمة هذه السندات بنسبة 90%، بما يعني ان قيمتها الفعلية أصبحت حوالي 1,5 مليار دولار فقط.
ثالثا- في موضوع شطب ودائع أصحاب ومساهمي المصارف تبرز الاشكالية الاشد تعقيداً. إذ أن الوصول إلى الأموال الخاصة لمساهمي المصارف يحتاج اولا الى مستند قانوني يُثبت أن ادارة المصرف خالفت القوانين، واتخذت قرارات خاطئة تقانون جاوزت فيها قانون النقد والتسليف، وخالفت القرارات والتعاميم التي يتخذها مصرف لبنان، الجهة المنظمة والمشرفة على القطاع. فهل يمكن اثبات هذا الامر، والادعاء ان توظيف الاموال لدى البنك المركزي يُعتبر بمثابة جرم مالي يحاسب عليه القانون. سيما ان مصرف لبنان، ورغم تمتّعه باستقلالية كبيرة، الا أنه يعتبر بمثابة مؤسسة تابعة للدولة، وحاكمه، رغم الصلاحيات النقدية الواسعة المعطاة له، يُعتبر موظفاً حكومياً فئة اولى. وبالتالي، سيكون صعباً على الدولة ان تحاسب ادارات المصارف لأنها أقرضتها الاموال، أو أودعتها في مصرفها المركزي.

بالاضافة إلى ذلك، هناك اسئلة، في حال الوصول الى مرحلة شطب الاموال الخاصة. هل سيشمل الشطب الاموال المودعة حصراً في البنوك اللبنانية، ام سيصار الى ملاحقة ودائع مساهمي المصارف في الخارج ايضاً. اذا كان الامر سيُحصر في الودائع المحلية، سيكون ظالماً في حق المساهمين الذين أبقوا اموالهم هنا، في حين سينجو المساهمون الذين أخرجوا أموالهم، خصوصا بعد 17 تشرين. فهل تكون مكافأة اصحاب المصارف الذين امتنعوا عن إخراج اموالهم بعد الأزمة عبر شطبها، في حين ينجو من ارتكب مخالفة اخلاقية، وأخرج وديعته بينما علقت ودائع الناس؟ واذا كان الهدف ملاحقة الاموال التي خرجت، فلماذا يتمّ حصر الملاحقة بمساهمي المصارف ولا تشمل كل اصحاب النفوذ الذين أخرجوا اموالهم؟

وفي هذا الوضع، ماذا سيكون مصير المودعين الكبار الذين تنصّ الخطة على تحويل قسم كبير من ودائعهم الى اسهم في المصرف؟ اذ ستصبح هذه الاسهم بلا اية قيمة، بعد إفراغ المصرف من رساميله وشطب محفظة الديون التي يحملها، وشطب ودائع مساهميه. في هذه الحالة لن يتمكن أي مصرف من الاستمرار، واعادة الهيكلة، فتصبح ملكية المودعين للأسهم بمثابة ملكية لمصرفٍ مفلس، اي بلا قيمة تقريباً.

كل هذه الحقائق تقود الى استنتاج مفاده ان الخروج الآمن من الأزمة يحتاج الى معالجات مختلفة عن تلك التي تطرحها خطة التعافي الحكومية. ويبدو ان البعض في الحكومة قد استوعب هذه الحقيقة، لكن المعضلة باتت محصورة في القدرة على إقناع صندوق النقد الدولي بتعديل الخطة وإدخال الدولة في لائحة المساهمين الرئيسيين في سد الفجوة المالية التي قُدّرت بـ73 مليار دولار، في حين يرى البعض انها قد تكون اكبر من ذلك، على اعتبار انه لا يجوز احتساب قيمة الاحتياطي الذهبي الذي يبلغ حاليا حوالي 15 مليار دولار.

بانتظار النتائج النهائية للمفاوضات مع صندوق النقد، ستبقى الامور مُعلّقة لجهة إقرار ما تبقّى من قوانين مطلوبة لانجاز الاتفاق النهائي مع صندوق النقد.