مصر مُحاصرة بتداعيات الحرب: الضغط المالي يتعاظم

اذا لم يتمّ اتخاذ الاجراءات المناسبة قد يتجه الاقتصاد الى مزيد من التعثّر

.

لم يكن النداء الذي أطلقه الرئيس المصري في شرم الشيخ خلال قمة المناخ امام رؤساء دول العالم لوقف الحرب الروسية الاوكرانية عبثياً. ومن المستبعد ان يكون مجرد كلام استعراضي للقول ان مصر قوة اقليمية قادرة على لعب دور الوسيط لانهاء نزاعاتٍ ذات طابع دولي، بل انه تعبير عن قلق السلطات المصرية حيال حجم الضغوطات الاقتصادية التي تتسبب بها هذه الحرب للاقتصاد المصري.

وقد حرص السيسي على التأكيد انه لا يسعى الى لعب دورٍ ما، من خلال اقتراحه القيام بمسعى لوقف هذه الحرب، التي قال فيها انها تؤثّر على كل دول العالم، خصوصاً غير القوية منها. وتحدث بوضوح اكثر عندما قال: «نحن كدول اقتصادها ليس قوياً عانت كثيراً من تبعات أزمة كورونا لمدة سنتين وتحمّلناها، والآن نعاني أيضا من هذه الحرب» .

في الواقع، كان السيسي صادقاً جدا في الحديث المقتضب عن تأثيرات الحرب في اوكرانيا على الاقتصاد المصري، الذي كان بدأ يتعافى من تراكمات فترة الاضطرابات في السنوات الماضية التي أعقبت ثورة الربيع العربي، وما تلاها من احداث. وقد نجحت السلطات المصرية برئاسة السيسي في وضع الاقتصاد على سكة التعافي، وبدأت تُسجّل تطورات ايجابية، قبل ان تفاجئه أزمة «كوفيد» ، التي ضربت كل الاقتصاديات العالمية، سيما منها الدول النامية.

ورغم ان الاقتصاد المصري صمد في هذه الأزمة بصعوبة، واضطر الى اللجوء الى صندوق النقد الدولي لمساعدته على اجتياز المرحلة، إلا أن الاوضاع اصبحت أصعب مع بروز تداعيات الحرب الروسية على اوكرانيا.

حالياً، يمر الاقتصاد المصري بمرحلة دقيقة، واذا لم يتمّ اتخاذ الاجراءات المناسبة، قد يتجه الى مزيد من التعثّر، وتعود الأزمة المالية والاقتصادية الى نقطة الصفر، وهذا ما تحاول ان تتحاشاه السلطات المصرية. لكن المهمة ليست سهلة، في ظل القلق من ردود الفعل الشعبية حيال التضخّم الذي يلتهم القدرات الشرائية للمواطنين. كما ان الشركات، سيما المتوسطة والصغيرة منها، تواجه مصاعب متعددة، وبعضها دخل في مرحلة التعثّر والاقفال. وتشير التقديرات الى خروج حوالي 22 مليار دولار من الاقتصاد المصري، ممّا زاد الخلل السلبي في ميزان المدفوعات ودفع مصر الى طلب دعم مالي اضافي من صندوق النقد.

من اللافت، أن السلطات المصرية تحاول تلبية شروط صندوق النقد، وفي الوقت عينه أن تُهدّئ الشارع الثائر على الوضع. ويتم استخدام أسلوب الترهيب والترغيب في محاولة لمنع حصول اضطرابات في الشارع قد تقضي على الآمال المعلّقة على انقاذ الاقتصاد، ومساعدته على الصمود لتمرير المرحلة.

في هذا السياق، لفت أن السيسي استخدم اسلوب التذكير بخطر الارهاب الذي واجهته مصر وكافحته. وبالتالي، حذّر من اللجوء الى الشارع، لئلا يؤدّي ذلك الى فوضى قد تتيح عودة الارهابيين الى الساحة. مقابل، اسلوب الترهيب، اعتمدت السلطات اسلوب الترغيب، اذ عمدت، وقبل الاعلان عن رفع اسعار الدولار مقابل الجنيه المصري، الى رفع الرواتب بنسبة 11%، في خطوة تهدف الى امتصاص مسبق للنقمة الشعبية. لكن الخطوة لم تكن كافية، على اعتبار ان الجنيه المصري انخفض بعد ايام على زيادة الرواتب بنسبة 15%.

في كل الاحوال، ما تفعله السلطات المصرية من الناحية الاقتصادية يعتبر صائباً، لأن الامتناع عن خفض قيمة الدولار سيؤدّي الى تراكمات ستنفجر لاحقاً أزمة انهيار يصعب الخروج منها بسهولة. كما ان خفض قيمة العملة هو واحد من الشروط لكي يوافق صندوق النقد الدولي على الاستمرار في ضخّ القروض في الاقتصاد المصري. ومن دون هذا التمويل في هذه الحقبة، سيصبح الوضع المالي اسوأ، مع ارتفاع نسب التضخّم الى مستويات قياسية، ربطاً بأزمة الحرب في اوكرانيا.

هذا المأزق دفع الى اعادة طرح بعض الملفات الحساسة التي لها علاقة بدعم الاقتصاد، وتحريره من بعض القيود المرتبطة بالسياسة، وفي مقدمها ملف الجيش المصري الذي يمتلك استثمارات صناعية وغير صناعية كبيرة في البلد، ويرفض ضمّها الى مشاريع الخصخصة القائمة. وتصعب مقاربة هذا الموضوع باسلوب اقتصادي بحت، بسبب الحسابات المتعلقة بالسلطة السياسية، وحاجتها الى بقاء الجيش في حالة جهوزية لمواجهة ما قد يطرأ على الجبهة الداخلية. وطبعاً، فان السيسي هو ابن مؤسسة الجيش، ويهمه ان يدافع عن هذه المؤسسة وعن مداخيلها المستقلة.

هذا الوضع يرسم صورة بيانية عن الصعوبات التي تواجهها السلطات المصرية في محاولاتها الدؤوبة للصمود مالياً واقتصادياً، في هذه الحقبة، لكي يتسنّى لها العودة الى تنفيذ مخططات الازدهار التي كانت رسمتها لنفسها قبل ان تتفاجأ بأزمة كوفيد، ومن ثم بالحرب في اوكرانيا، وتداعياتها المدمرة والمستمرة في المرحلة الراهنة.