نتائج متوقّعة بعد البدء في تنفيذ موازنة 2022

.

أصبح واضحاً ان المرحلة المالية المقبلة ستكون صعبة على مستوى التحديات المتعلقة بسعر الصرف. وستتعرّض الليرة الى ضغوطات اضافية يُرجّح ان تؤدّي الى مزيد من التدهور في قيمتها. وفي طليعة التحديات التي ستواجهها الليرة، التداعيات التي سيتركها البدء في تنفيذ مندرجات موازنة العام 2022، وما سيتفرّع عنها من اجراءات اضافية مواكبة.

ولا شك في ان مسألة الزيادة التي ستطرأ على اجور موظفي القطاع العام ستكون في طليعة الاسباب التي ستؤدّي الى ضغوطات كبيرة على العملة الوطنية. وهناك كتلة نقدية لا تقل عن 11 الف مليار ليرة سوف تُضاف الى التداول، وسيتمّ تحويلها الى الدولار على سعر منصة صيرفة. اذ من المعروف ان اجور موظفي القطاع العام لا تخضع للسقوف التي تضعها المصارف للسحب عبر «صيرفة» . وهذا الوضع قرره مصرف لبنان، وأصدر في صدده قرارا أبلغه الى البنوك، أوصى بضرورة دفع كامل الرواتب الى موظفي القطاع العام، من دون اي سقوف. وبالتالي، فان مجموع المبلغ الذي كان يتقاضاه الموظفون بالدولار، سوف يرتفع ثلاثة اضعاف بدءاً من نهاية العام 2022. هذا الارتفاع الكبير نسبيا، سيضطر مصرف لبنان الى ضخ كميات اكبر من الدولارات عبر صيرفة، بما سيزيد من خسائره اولاً، وبما سيضطره الى تكثيف عمليات شراء الدولار من السوق الحرة ثانياً. والنتيجة ستكون ارتفاعاً سريعاً في سعر صرف الدولار في المرحلة المقبلة.

وفي حال تعرّض المركزي لضغوطات حكومية لوقف اندفاعة الدولار، ستكون النتيجة اسوأ على احتياطه من العملات، اذ سيضطر الى التدخّل بائعاً على سعر «صيرفة»، الامر الذي سيستنزف المزيد من الدولارات.

يُضاف الى كل ذلك، المشروع المستجد الذي تقوده الحكومة لتمويل شراء الفيول عبر قروض من مصرف لبنان. هذه الآلية لا تبدو مُطمئنة، ولا شيء يوحي حتى الآن، بأن النمط القديم السائد سوف يتغيّر، والذي يستند الى مبدأ ان القروض تؤخذ ولا يتمّ ردّها. وسلفات الخزينة للكهرباء، منذ عشرين سنة ونيف، خير دليل على ذلك. وبالتالي، ستساهم خطة الحكومة في نضوب اسرع في دولارات المركزي بما سيزيد الضغط ايضا على سعر الصرف. وحتى، اذا سلمنا جدلاً بأن الحكومة غيّرت نهجها، وستفي هذه المرة بالتزاماتها وسوف تعيد القرض الى المركزي بعد انجاز جباية الفواتير في ظل التعرفة الجديدة، فان المشكلة تبقى قائمة لجهة تأمين شراء الدولارات من مصرف لبنان عبر «صيرفة» . اذ أن هذه العملية لوحدها كافية لتكبيد المركزي خسارة تقارب اليوم نسبة 25%، بسبب الفارق الكبير بين سعر «صيرفة» (حوالي 30200 ليرة حاليا) وسعر السوق الحرة (حوالي 40000 ليرة). واذا افترضنا ان هناك حاجة لما يوازي ملياري دولار سنوياً من الفيول لتأمين ما بين 8 و10 ساعات، كما تخطّط الحكومة، فهذا يعني ان مصرف لبنان سيتكبّد حوالي نصف مليار دولار، لتأمين الفارق.

وستبرز ثغرة اضافية مرتبطة بسدّ العجز القائم في موازنة 2022. اذ كان رئيس حكومة تصريف الاعمال يعوّل على صندوق النقد لتغطية هذا العجز. وقد صارح المجلس النيابي بذلك، قائلاً ان الصندوق تعهد للحكومة بتغطية عجز الموازنة الذي يفوق الـ10 آلاف مليار ليرة، في حال تمّ انجاز الاتفاق معه، بعد تلبية الشروط الاربعة الأخيرة. وحتى الآن، يبدو ان الحكومة، ومعها المجلس النيابي، لن ينجحا في تنفيذ هذه الشروط، رغم انه لم يتبق منها سوى الجزء اليسير، لجهة اقرار الكابيتال كونترول، وقانون اعادة هيكلة المصارف. وفي النتيجة، سيضطر مصرف لبنان الى تغطية العجز، وليس امامه الكثير من الحلول، اذ إما يطبع المزيد من العملة وينزلها الى الاسواق، وإما يضخّ الدولارات ويجمع الليرة من الاسواق. في الحالة الاولى، سوف يتسبّب الامر بزيادة التضخّم الناتج عن ازدياد الطلب على الدولار بواسطة الكتلة المالية بالليرة. وفي الحالة الثانية، سيتراجع الضغط على الليرة في سوق الصرف، لكن احتياطي المركزي سيشهد نزفاً اضافياً للعملات الصعبة. وكلما تراجع حجم الاحتياطي، كلما انخفض منسوب الثقة، واصبحت احتمالات التدهور السريع في سعر العملة واردة اكثر وصولاً الى التضخّم المفرط الذي عرفته كل الدول التي واجهت أزمات بنوعية وحجم الأزمة التي يواجهها لبنان.

الايام المقبلة سوف تشهد المزيد من الضغوطات المالية والاقتصادية، وسيشعر المواطن بثقل الأزمة اكثر، بانتظار نقطة تحوّلٍ ما، لن تحدث قبل ملء الفراغ الرئاسي، والعودة الى مسار الاصلاحات وصولاً الى اتفاق نهائي مع صندوق النقد، والانفتاح مجدداً على الاستثمارات العربية والأجنبية والمحلية.